لا تزال سفينة المعرفة تفرد أشرعتها لتيمم وجهها شطر أفق جديد من آفاقها اللانهائية. نفتح من خلاله صفحة جديدة من صفحات الفكر والمعرفة، نتأمل فيها – ونفكر من خلالها – فيما تقدمه لنا عملية القراءة من قدرات غير محدودة لتنمية وبناء الذات والمجتمع – ونهضة الوطن - في كل وقت وفي كل حين. واليوم نحاول أن نتأمل كيف يمكن لعملية القراءة أن تساهم مساهمة فاعلة في تنمية وبناء مكون من أهم مكونات النهضة والتقدم، بل ومن أهم مقومات التماسك والاستقرار الاجتماعي. ألا هو مكون "الذاكرة الوطنية ". لكن ما المقصود بالذاكرة الوطنية؟ وما العناصر التي تشكل الذاكرة الوطنية؟ وما الدوائر الأساسية التي تشكل هذه الذاكرة؟ وكيف يمكن للذاكرة الوطنية أن تحقق دوراً مهماً – ذا طابع مزدوج – سواء على صعيد النسيج الاجتماعي للمجتمع والعمل على استقراره وتماسكه، من ناحية، ودفعه نحو التقدم والتغير والنهوض وارتياد آفاق المستقبل، من ناحية أخرى؟ وكيف يمكن لعملية القراءة أن تساهم بدور فعال في بناء وتنمية الذاكرة الوطنية؟ وفي أن تجعل منها ذاكرة تستوعب الماضي، وتعي الحاضر، وتفكر في المستقبل؟ وبداية يمكن القول إن الذاكرة الوطنية تمثل في تصوري عمود الارتكاز لأي مجتمع من المجتمعات. فهي التي تمنح هذا المجتمع حقيقة وجوده، وهي التي تجسد، في الوقت نفسه، ماضي المجتمع وحاضره ومستقبله. ومن المستحيل أن نتصور وجود مجتمع، أو حتى فرد، بلا ذاكرة (تأمل فيما يمكن أن يحدث للفرد الذي يعاني من فقدان الذاكرة؟). لكن الذاكرة الوطنية تتجاوز الذاكرة الفردية وتعلو عليها. إذ على الرغم من أن الذاكرة الوطنية، تتكون من ذاكرة الأفراد الذين ينتمون إلى وطن واحد، ومجتمع واحد، فإن الذاكرة الوطنية تجسد وعياً وانتماء جمعياً، يتجاوز وعي هؤلاء الأفراد، ويعبر عن المخزون الثقافي والفكري والروحي المشترك بينهم، النابع من تاريخ المجتمع والماضي المشترك، الذي ينتمون إليه. كما أن هذه الذاكرة ذات طابع وطني، أي أنها تجسد معنى الوطن، وتعبر عن انتماء جميع الأفراد لهذا الوطن. ويشكل هذا الانتماء، بدوره، الشعور بالمواطنة، والإحساس بالمصير المشترك، والدفاع عن الوطن ضد أية أخطار، حتى لو دفع الأفراد حياتهم ثمناً لذلك. ويمكننا تصور الدوائر التي تشكل الذاكرة الوطنية في ثلاث دوائر متكاملة متفاعلة ومتداخلة. أعني: دائرة الماضي، ودائرة الحاضر، ودائرة المستقبل. حيث تعكس دائرة الماضي الجذور التاريخية للمجتمع وتعبر عن استيعاب الأفراد ووعيهم بهذه الجذور، ووعيهم بكونهم ينتمون إلى تاريخ مشترك، يضرب بجذوره في الماضي ويساهم – بدوره - في نشأة المجتمع ويعمل على استقراره. كما يشكل – هذا الماضي - مكوناً أساسياً من مكونات وجودهم وانتمائهم الاجتماعي إلى هذا التاريخ وذاك الماضي المشترك. ولا شك أن المكون التاريخي يعد مكوناً من أهم مكونات وجود المجتمع واستقراره. لكن على الرغم من أن الماضي يمثل مكوناً أساسياً من مكونات الذاكرة الوطنية ، فإن الذاكرة الوطنية تتجاوز تأسيس علاقة أحادية الجانب بهذا الماضي . لتؤسس علاقة بالحاضر، وهنا تتضح أهمية الدائرة الثانية من دوائر الذاكرة الوطنية ألا وهي دائرة الحاضر. وتعبر هذه الدائرة عن وعي الأفراد بالحاضر الذي يعيشونه، وتصورهم للتحديات التي يجسدها هذا الحاضر، وتصورهم أيضاً لكيفية مواجهة هذه التحديات، التي يواجهونها جميعاً كأبناء وطن واحد - في ضوء انتمائهم لتاريخ وماض مشترك. ومن خلال تفاعل دائرة الماضي ودائرة الحاضر تتشكل الدائرة الثالثة من دوائر الذاكرة الوطنية: ألا وهي دائرة المستقبل. وتجسد هذه الدائرة تطلعات أبناء الوطن الواحد نحو المستقبل، والصورة التي يرسمونها لهذا المستقبل، في ضوء انتمائهم لماض مشترك، وحاضر يواجهون تحدياته. ومستقبل يتطلعون إليه، والدور الذي يلعبه الماضي والحاضر في رسم صورة المستقبل. لذا نؤكد على ترابط وتفاعل هذه الدوائر الثلاث: فلا حاضر لمن لا ماضي له، ولا مستقبل لمن لا تاريخ له، ولا يمكنننا استشراف المستقبل إلا من خلال الوعي بالماضي والحاضر. وباكتمال هذه الدوائر الثلاث (دائرة الماضي، ودائرة الحاضر، ودائرة المستقبل)، وتفاعلها معاً تستوفي الذاكرة الوطنية مكوناتها الأساسية. وتكتسب جوهرها وطابعها الوطني الذي يميزها عن غيرها. ويضفي عليها خصوصية ثقافية، تتجسد في الثقافة الوطنية للمجتمع. وتبرز أهمية بناء الذاكرة الوطنية وتنميتها في ضوء ما تتعرض له هذه الذاكرة من تحديات أذكتها ثورة المعرفة والمعلومات ، وما ترتب على العولمة من آثار على صعيد القيم والثقافة والفكر، مما جعل العالم الذي نعيش فيه – كما يقول أحد الباحثين- عالم منفلت. تلاشت فيه الحدود بين الزمان والمكان، وبين الماضي والحاضر. كما اختلفت طريقة إدراك الزمن والتعامل معه. الأمر الذي ترتب عليه حدوث فجوة بين الماضي والحاضر. كما أدى ذلك إلى نشأة جيل، أو أجيال، تربت على ثقافة مختلفة وقيم مختلفة، تختلف عن تلك القيم التي تربى عليها جيل الآباء والأجداد. مما قد يفضي بدوره إلى بعض مظاهر الحيرة والقلق التي يعاني منها أبناء هذا الجيل. وتؤثر بلا شك على وعيهم بتاريخ مجتمعهم، كما تؤثر على نظرتهم للماضي: ماضي الآباء والأجداد. وتقديرهم لهذا الماضي، والخشية أن يفضي كل ذلك إلى أن يصاب هذا الجيل بمرض" فقدان الذاكرة التاريخية ". ويصبح منقطع الجذور عن ماضي آبائه وأجداده، لذا من الضروري إيجاد وسائل فاعلة لتنمية الذاكرة الوطنية لأبناء هذا الجيل، ولكل أبناء المجتمع جميعاً. وثمة مؤسسات رائدة في دولتنا الغالية تقوم بهذه المهمة على أكمل وجه: مثل المركز الوطني للوثائق والبحوث بوزارة شؤون الرئاسة، ونادي تراث الإمارات. فهذه المؤسسات تقوم بدور مهم في بناء الذاكرة الوطنية، لدى الأجيال الحالية. لكن تظل عملية القراءة هي الوسيلة التي تمكن كل أبناء المجتمع ليس فقط من الوعي بما تقوم به هذه المؤسسات من دور رائد في حفظ ذاكرة الوطن وفي تعزيز الهوية الوطنية، بل تساهم في الوقت نفسه في توثيق العلاقة، وتأسيس جسور معرفية بين حاضر الأجيال الحالية وماضي الأجيال السابقة. والقراءة التي نقصدها هنا –وكما أكدنا في العديد من المقالات السابقة – هي تلك القراءة التي تفتح آفاقاً غير محدودة للمعرفة. وتجعل من هذه المعرفة سبيلاً للوعي بماضي المجتمع، واستلهام ما في هذا الماضي من نقاط مضيئة تكون هادياً للوعي بالحاضر، واستشراف المستقبل. وهل ثمة شك في أن القراءة هي الوسيلة المثلى لتنظيم وصياغة أفكارنا ومعارفنا حول المجتمع والذات، وحول التاريخ الماضي، والحاضر الشاخص، والمستقبل المأمول؟