في التاريخ الطويل من الصراعات والتعايش معاً بين العالمين الشرقي والغربي الكثير من الفهم وسوء الفهم والحروب والصراعات، وفي الوقت نفسه المصالح المشتركة والتبادل الحضاري والثقافي والتجاري والمصالح السياسية المشتركة مما يجعل التواصل بين العالمين والعيش المشترك أمراً حتمياً فرضته طبيعة الحياة البشرية بصورة عامة. لقد أصبح جيل الشباب مصدراً فاعلاً لإنتاج حضارة إنسانية عالمية ناشئة، وكجيل سيفرض حتماً في طور التطور الطبيعي لصعود وسقوط الحضارات وبروز مفهوم اندماج الحضارات بدلاً من صراع الحضارات ثقافته التي سوف تسود العالم في القرون القادمة. كل يريد أن يفرض وجهة نظره وما يراه مناسباً و"حضارياً" على الطرف الآخر، لتصبح المجتمعات نسخة لثقافة المجتمع الذي يدعي التقدم وأكثر حضارةً من الآخر، فيقيس التطور والحضارة بمقاييس ومعايير خاصة به تعبر عن مصالحه الاقتصادية، وتاريخه وموروثه الثقافي والاجتماعي والبعد القيمي والأخلاقي والروحي ليجعل منها معايير عالمية بسبب التفوق الملحوظ على المستوى المادي والعلمي والمعرفي وعولمة المعايير، أدت بأن يوصف كل من لا يواكبها أو يتوافق معها بالتخلف والرجعية في منطق غريب يهدم أكثر مما يسهم في نشر التسامح وعدم عولمة قيم بعينها، فكل طرف يرمي الطرف الآخر بتهمة أو وصف غير لائق تسوده نظرة دونيه إنْ كان مختلفاً عنه. ولكن عندما يأتي الأمر ناحية الهجوم على الإسلام - على سبيل المثال - وسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فهو "يعتبر" من وجهة نظر البعض في الغرب حرية شخصية ومنتجاً ثقافياً وجزءاً من حرية التعبير، ورأياً مخالفاً فقط مع أن مرتكب الفعل يسيء لمعتقد مليار ونصف المليار من البشر، ومع أن سياسيي الحكومات الغربية أدانوا هذا الفعل، وينتقده الساسة الغربيون بشدة، بل ويرفضونه ويعتبرونه حماقة وتجاوزاً غير مسموح به، وهو أمر محمود وموقف شجاع من تلك الحكومات مهما كانت مسبباته، ولكنهم بهذا يناقضون دساتير أممهم ويسبحون عكس التيار التي يرسخه العقل الجمعي للشعوب، والتي تلون بدورها حرية إبداء الرأي حسب ما يعكس قيم ذلك المجتمع، وإن كان ليس بالضرورة ضد دين أو شخص أو جنس أو عرق معين. فالغربيون على العموم لا يكرهوننا لشخصنا أو لاعتناقنا ديناً أو ممارسة عادات خاصة بمجتمعاتنا، وبالمقابل توجد بينهم أقلية تمتلك عقليات مغلقة ونفوس مريضة، لا تؤمن بالمساواة بين البشر وبإنسانية الإنسان بغض النظر عن انتمائه العرقي أو المذهبي، أو الجزء الجغرافي الذي ينتمي إليه، فالأقلية لا يحبوننا فقط، لأننا مسلمون أو عرب على سبيل المثال وبالتالي لا يختلفون عنا في نظرتنا إليهم من حيث الأغلبية الكاسحة والأقلية وما نعتقد به ولدينا نفس الممارسات والأحكام المسبقة أو التصور العام، فنحن ندعوهم وهم يدعوننا للحوار الحضاري، وفق ما نعتقد بأنه حضاري، وما يعتقدونه هم بأنه حضاري ومسموح بممارسته. لكن لماذا لا نشاهد غربياً واحداً يثور ويحرق سفارات دولنا، لأننا ألفنا كتاباً نهاجم فيه كتاباً دينياً أو شخصية رمزيةً معينةً، أو إذا وصفنا كتبهم المقدسة بعدم القدسية، فوصفنا السلبي بل الإساءة لبعض المعتقدات هو أمر مقبول بين البعض. فنحن كشرقيين نخوض في الخصوصيات والثوابت أم في الاثنين معاً، إذا تعلق الوضع بالديانات الأخرى من دون الإحساس بالحرج أو حتى نفكر لثوانٍ بأننا نسيء للآخر. القضية ليست قضية صدام حضارات وصراعاً بدائياً، لا يجب ربطه أو تفسيره بدين أو دولة بعينها فقط، ويجب ألا يكون العنف أو التخريب هو أسلوب التعبير الوحيد الذي نفهمه، فالتظاهر في حب رسول الله لا يعقل أن ينتهي في بعض الأوقات بطريقة ديماغوجية وعنيفة. يجب على المرء أن يناقش بواقعية وبدون هستيريا آليات الدفاع عن رسولنا الكريم، وهو واجب شرعي لا أرى فيه نقاشاً وجدلاً، ولكن الدفاع عن رسولنا الكريم يبدأ بضبط النفس واحترام الآخر، وفرض احترامنا عليه بالتوحد خلف موقف عربي إسلامي مشترك، وليس بأخذ الحق باليد وممارسة بلطجة الاحتجاج والمظاهرات إذا لم تكن سلمية وبإذن الجهات الرسمية حفظاً للنظام ووفق قوانين الدول السيادية والتي يحفظ فيها عهد المعاهد ولا تراق فيها دماء الأبرياء وأعراضهم وممتلكاتهم، ومن يعش بيننا وفق مواثيق دولية قمنا بالتوقيع عليها والتزمنا بتنفيذها، وفق ما يدعون إليه ويلزمنا به قبل القانون والأعراف الدولية ديننا الحنيف، كما تدعو له كذلك باقي الديانات، علماً بأننا وإنْ لم نقم بدراسة علمية موثقة حول من يرتكبون أعمال العنف والحرق والتخريب في المظاهرات والاحتجاجات وهل هم في الغالب عاطلون عن العمل وأصحاب سوابق أو ينتمون لتنظيمات تدعو إلى العنف أم هم رافضون لمجتمعاتهم في الأساس، وقد وجدوا ضالتهم في التعبير عن ما يدور بخلجات أنفسهم من رفض واحتجاج في الأصل على الوضع الذي يعيشون فيه والحال الذي وصلت إليه دولهم، أو هم فعلاً مسلمون غيورون على دينهم يحركهم الدافع الديني فقط والحراك الجماعي لشوارعهم. في كل الأحوال لا أعتقد أن رسولنا الكريم يحتاج لحرق السفارات وقتل البشر وإزهاق الأرواح لنصرته، فالله سبحانه من فوق سبع سماوات تكفل بنصرته إلى يوم يبعثون، وإذا أردنا أن نكون محبين حقاً لسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيجب أن نعمل على عدم إعطاء الجماعات اليمينية المتعصبة في الدول الغربية المساحة والأعذار لتجنيد المزيد من الأنصار من خلال الرد على ما يعتبرونه حرية فكر بالعنف، وبالتالي لن تتوقف هذه الممارسات بل ستزيد، ولكن يجب أن يكون الرد من خلال القنوات الرسمية، بجعل اعتراضنا احتجاجاً عصرياً ورسمياً من خلال مقاطعة افتراضية (الإنترنت ووسائل الإعلام والاتصالات) ورفع قضايا في المحاكم الدولية في مقاطعة حقيقية تكلف الجهات في الغالب من مواقع إلكترونية ودور نشر ووسائل إعلامية مختلفة تسهم في نشر ما يهين الديانات مليارات الدولارات، وبالتالي سيأتي المنع كأمر طبيعي من تلك الجهات والسعي الممنهج في تصنيف وإدانة وإنذار ومعاقبة الجهات المسيئة للتراث الإنساني، أي تطوير مقترح لقانون دولي لإدانة الإساءة للتراث الإنساني الديني والعقائدي. ___________________ سالم سالمين النعيمي كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات