ما زال من الممكن عقد انتخابات عامة في العراق في موعد أقصاه 31 من يناير 2005 كما هو مخطط. وهذا الموعد النهائي مهم للغاية، خصوصاً إذا ما عرفنا أن قادة الرأي العام العراقي المهمين وعلى رأسهم آية الله العظمى علي السيستاني، يقولون إن عدم التزام الإدارة به سيكون دليلا على سوء نيتها. وقد أشار السيستاني بالذات إلى أن قيام الإدارة بذلك سيدفعه للمعارضة الصريحة للوجود الأميركي في العراق.
وطالما أن الأمر كذلك، فما الذي يدفع القادة الأميركيين الموجودين في العراق إلى انتهاج تلك الطريقة العدوانية والتصعيدية، التي تعوق الخطط الرامية لتنظيم انتخابات في العراق في هذا التاريخ.
والحقيقة أن المخاطر عديدة، لأن تلك الانتخابات إذا لم تتم، أو خرجت عن المسار المحدد لها، فإن العراق يمكن أن يغرق في فوضى قد تستمر لمدة طويلة. إن الخسائر الأميركية في العراق والتي تجاوزت الآن الألف قتيل ستتصاعد باستمرار. وفي حين أن بعض الأميركيين
(شأنهم في ذلك شأن العراقيين) قد تنتابهم الرغبة في الانتقام من حوادث القتل التي تعرضوا لها في العراق في الآونة الأخيرة، إلا أن الأولوية الاستراتيجية الأولى للقادة الأميركيين في العراق يجب أن تتمثل في دعم العملية الانتخابية بكل طريقة ممكنة، وهو ما يدعو إلى ضبط نفس استراتيجي لا يتوافر لدى القادة العسكريين الأميركيين في العراق للأسف.
وإذا ما عدنا إلى شهر إبريل الماضي،عندما بدأت الاستعدادات للانتخابات فعلياً، فإننا سنجد أن القادة العسكريين الأميركيين قد قاموا في ذلك الشهر بشن هجمات تصعيدية لا داعي لها ضد الفلوجة والنجف. وفي شهر أغسطس الماضي، فعلوا نفس الشيء في المدينتين وفي غيرهما. وفي الخامس من شهر سبتمبر الجاري أدلى ثاني أكبر قائد عسكري أميركي في العراق وهو الليفتنانت جنرال(فريق) توماس ميتز بتصريح لمراسل وكالة الأسوشيتيد برس في العراق قال فيه إن الولايات المتحدة قد تقوم بشن هجوم كبير على واحدة من المناطق الحضرية المثيرة للمتاعب قبل انتخابات يناير. وادعى الجنرال الأميركي أن مثل تلك الهجمات مهمة جداً لإخضاع المناطق المضطربة للسيطرة الأميركية قبل حلول موعد تلك الانتخابات. وفي الحقيقة أن هذه حجة خطيرة. فلكي تعقد تلك الانتخابات، ولكي يتم الحكم عليها بأنها انتخابات صحيحة، فإنه ليس من الضروري أن تقوم القوات الأميركية بالسيطرة على تلك المناطق، وإنما كل المطلوب هو أن تكون هذه المناطق مستقرة وآمنة بدرجة تسمح بدخولها بحرية بواسطة منظمي الانتخابات والمراقبين. وإذا ما كانت للعملية الانتخابية مصداقية سياسية كافية في هذا البلد، فإن جميع تلك الأطراف ستكون قادرة على الدخول إلى مثل تلك المدن دون أية عقبات.
في نفس الوقت فإن مسألة لجوء القادة العسكريين الأميركيين في العراق، إلى استخدام العنف الشديد في أي وقت يشعرون فيه أنهم يواجهون تحدياً يرسل رسالة واضحة للعراقيين تقول لهم: حسنا ، ليس هناك مانع من استخدام القوة لحل المشاكل. وهو درس يعتبر مناقضاً تماماً لأي درس يمكننا أن نتعلمه من الديمقراطية.
ولكن هل نتوقع حقاً أن تقوم القوات الأميركية، التي تم تدريبها تدريباً راقياً على العمليات القتالية في ساحات المعارك، بتحويل نفسها إلى مجموعة من الأشخاص الصبورين الذين يتمتعون بالوعي السياسي الكافي، والذين سيقومون بتدبير أمر الانتخابات بدرجة كبيرة من البراعة السياسية؟ نعم، نستطيع أن نتوقع ذلك، بل يجب علينا أن نتوقعه، لأنها ليست أول قوات عسكرية تقوم بتحقيق مثل هذا التحول. ففي عام 1989 أمرت حكومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا قوات الجيش شديدة الشراسة، والتي حاربت المتمردين السود في نامبيا (التي كانت قد ضمتها إليها) لما يزيد على عقد من الزمان... بأن تتخلى عن عنفها وتتحول بشكل جذري لإنجاز المهمة الجديدة التي كلفتها بها في ذلك الوقت، وهي تهيئة الظروف الملائمة لإجراء عملية انتخابية ترعاها الأمم المتحدة، ويكون فيها لكل مواطن صوت واحد.
وعلى الرغم من بعض المشاكل الأمنية التي حدثت، إلا أن العملية نجحت في النهاية. ربما كانت حكومة جنوب أفريقيا تعتقد أن حلفاءها الناميبيين هم الذين سيفوزون في تلك الانتخابات ولكن بريتوريا، والحركة الوطنية الرئيسية في نامبيا و المسماة (سوابو) SWAPO اتفقتا على الامتثال لنتيجة الانتخابات. وفازت سوابو بالانتخابات بسهولة، وبعد ذلك قامت حكومة جنوب أفريقيا بسحب قواتها من نامبيا، ودخلت الدولتان في علاقات طيبة لا زالت قائمة منذ ذلك الحين.
هل يمكننا أن نتوقع سيناريو مثل هذا في العراق؟ ليس هناك من الأسباب ما يدفعنا لعدم توقع إمكانية حدوث هذا الشيء وخصوصا أن هناك العديد من أوجه الشبه بين الوضعين. فعلى رغم أن قوات جنوب أفريقيا ظلت مسيطرة على الأوضاع بقوة في ناميبيا طيلة فترة الانتخابات، إلا أن الأمم المتحدة هي التي لعبت الدور الرئيسي في تنظيم عملية التصويت، وتوفير الضمانات الكافية لجميع الأطراف بأن الانتخابات ستكون (حرة ونزيهة).