شهدت الساحة الإماراتية في الفترة الأخيرة حراكاً نوعياً غير مسبوق، من ساحات التويتر الافتراضية التي خاض فيها المغردون جولات من حروب صد الاستهداف، إلى لقائهم الفعلي في دبي والذي عبّروا فيه عن تضامنهم الكامل مع قضايا الوطن ووقوفهم مع قيادتهم في مواجهة الاستهداف. وبعد لقاء المغردين وبعد الاعترافات الصاعقة لموقوفي الإخوان المتأسلمين، جاء لقاء المحامين الإماراتيين تحت شعار "المحامون... وفاء وولاء"، والذي تحدث فيه إلى جانبهم اختصاصيون من بلدان مجلس التعاون الخليجي التي استشعرت الكثير من دوله خطر التنظيم الذي يقتات على السرية ويتحرك في جنح الظلام بعيداً عن الأعين. وتمتد سلسلة الحراك الاجتماعي غير المسبوق بلقاء مساء الغد الذي تقرر له أن يتم في قاعة الشيخة فاطمة بنت مبارك بجامعة زايد في أبوظبي (خليفة ب)، وفي اسم المكان رسالة قوية لتمسكنا بنهج مؤسس دولتنا المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي سبق عصره بكثير. وقد تناولت ندوة محامو الإمارات حقيقة عدم تسويقنا الجيّد لشخصياتنا، فما فعله زايد لم يفعله طاغور ولا غاندي ولا مهاتير أو مانديلا، وهو ما دفعنا للشروع في تكوين لجنة عمل تهتم بالترويج لشخصيتنا كحق تاريخي مكفول لنا بين الشعوب. الندوة التي تضمها قاعة جامعة زايد في تمام السابعة من مساء الغد تحمل عنوان "الإمارات في ظل ظروف الربيع العربي وحراك الإسلام السياسي"، وهو عنوان كبير عقدنا العزم على التحدّث عنه بكل شفافية وموضوعية، لأن الشفافية ومواجهة الحقائق واحدة من الصفات العديدة التي غرسها زايد في إنسان الإمارات. لن ندفن رؤوسنا في الرمال ونقول إننا مجتمع فاضل وصل القمة، لأن الوصول للقمة ليس بعده غير النزول، ونحن شعب لم يحقنه زايد بجينات النزول، لكننا كغيرنا من الشعوب نمتاز بإيجابياتنا الكثيرة، ولنا سلبياتنا أيضاً، ولابد لنا من التحدث عن سلبياتنا وعن ثغراتنا التي نفذ منها هذا التنظيم الإرهابي الذي أراد بمجتمعنا سوءاً، فجنّد بعض رجاله ونسائه في تنظيم سري محظور، وقام بمباشرة تكوين جيشه الذي أراد به إحداث فوضى في مجتمعنا لقلب نظام الحكم تشبّهاً بتقليعة "الربيع العربي" الذي اجتاح بعض دول المنطقة. المحاور التي تعتزم الندوة تناولها تعد من المحاور المهمة التي نحاول من خلالها تلمس الجرح، فواقع الإسلام السياسي في الإمارات لابد من طرحه بوجهات نظر متعددة، وبعيون مختلف الفئات من باحثين اجتماعيين وإعلاميين وسياسيين وقانونيين، عبر تناولها من عدة زوايا ومحاور، كالمحور الديني والاجتماعي والسياسي والقانوني، وهو ما يمنحنا فرصةً أكبر في الإجابة على عدة تساؤلات مبهمة، وتوضيح الإجراءات التي قامت بها السلطات الإماراتية في مواجهة التنظيمات التخريبية التي استهدفت الأمن الإماراتي ولم تتوان عن التخابر مع جهات خارجية بما يخالف القانون. وتعرج لإعطاء لمحة عن الإمارات وقصة الإسلام السياسي فيها، وتوضيح موقف الإجراءات المجتمعية والقانونية في الدستور الإماراتي في مثل هذه الاعترافات. ويطمح لقاء الغد إلى نقاش المحور الاجتماعي لتوضيح واقع حركة "الإخوان" في المجتمع الإماراتي، والطرق التي اتبعتها في هذا المجال وكيف تمكنت من ثقب البنية المجتمعية المتماسكة في الإمارات، بكل سماتها التي تميزها عن غيرها، للدخول إلى بعض أفرادها وخداعهم بزيف الأوهام، واستعراض تاريخ حركة الإخوان المتأسلمين منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتغلغلها في بعض الأسر، وسبيلها إلى ذلك، إضافة لشرح أساليب الداعمين للمعتقلين من خلال المحاولة في التأثير على المجتمع. وفي المحور الديني لابد من انتهاج الصراحة والشفافية التامة في توضيح طرق وأساليب استخدام "الإخوان" للدين، وكيفية تطويعه للتأثير على الشارع الإماراتي الذي عرف عنه التأثّر بكل ما هو ديني، ومحاولة دفع البعض إلى التأثير الديني في المجتمع لمناصرة الموقوفين من الإخوان المتأسلمين، ومحاولة تصويرهم على أنهم متدينون تم القبض عليهم بسبب توجهاتهم الدينية. وتخطط الندوة في محورها السياسي للقضية إلى التطرق للمصالح السياسية التي يسعى الإخوان المتأسلمون لتحقيقها، وتحديد تعريفات واضحة للتفريق بين الحزب الديني والحزب السياسي، مع التركيز على توضيح الأساليب التي اتبعها تيار "الإخوان" في الوصول إلى مكاسب سياسية، إضافة لاتصالاتهم بجهات سياسية خارجية، وما انتهجوه من أساليب في التواصل مع تلك التنظيمات الأجنبية والتأثير السياسي الذي يُطلب منهم تنفيذه، وتدعيم المحور بشرح التركيبة السياسية في الإمارات وحاجتها إلى تطوير مدروس لا فجائي. وتحرص الندوة من خلال المحور القانوني على توضيح القوانين المعمول بها في الدولة وكيف تتعامل مع جرائم تكوين الأحزاب والتنظيمات السرية، واستغلال منظمات المجتمع المدني، ومدى قانونية وجود حزب أو تيار سياسي ديني أو غيره في الإمارات. وتناقش الندوة بكل شفافية موضوع المقبوض عليهم ومدى قانونية اعتقالهم، وقانونية التهم الموجهة إليهم، وكيفية إتاحة الفرصة أمامهم للحصول على كافة حقوقهم القانونية دون نقصان، وتوضيح الآراء القانونية التي تقول بأنهم خرقوا جملة من القوانين، ما استدعى اعتقالهم بطرق قانونية واضحة وصريحة. هذه المواقع الخطيرة من الجرح هي ما تحاول ندوة الغد أن تتلمسها، فالمجتمع الواعي هو الذي يواجه نفسه بكل جرأة وشفافية، والمجتمع الإماراتي يؤمن تماماً بأنه يعيش حالة من الرضا والصلح التام مع ذاته، وأنه لا يحتاج أي نوع من أنواع التغيير لأن الحراك الاجتماعي والإنشائي القائم في الدولة لم ولن يتوقف، وهو يمثّل أداة التغيير الحقيقية التي لا تقبل الجدل. أما النزعة الدينية فالمساجد تنطق خمس مرات يومياً بالنداء، والمناسبات الإسلامية المحلية والإقليمية والعالمية منها، والتي تقيمها الدولة بصورة دورية تكفي للتعبير عن الوجه الإسلامي المشرق للوطن. أما التغيير من أجل التغيير، والذي يأتي بدافع التشبّه بـ"الربيع العربي" فإن الإمارات لا تحتاجه ولا يدخل مطلقاً في وصفتها العلاجية.