أنا واحد من أصل الـ29 نائباً في البرلمان اللبناني الذين رفضوا التمديد للرئيس إميل لحود لأسباب تتعلق باحترام الدستور ومنع تعديله على قياس أشخاص، وحماية الحريات والديمقراطية في لبنان. وتأكيداً لموقف مبدئي بمعارضة وصول عسكري إلى سدة الرئاسة وهو الموقف ذاته الذي اتخذناه عام 1998 يوم بدء الولاية الأولى للرئيس الممدد له الآن، وهو المبرر الذي دفعنا إلى الموافقة على التمديد للرئيس الهراوي عام 1995 لعدم وجود مرشح بديل سوى العسكري إميل لحود. والموقف ذاته يعبر عنه اليوم مع قناعة أكثر خصوصاً بعد حكم السنوات الست الماضية والتي كرست نهجاً للسياسة الخارجية انطلق منذ اتفاق الطائف وكان يعبر عن الخيار الاستراتيجي للبنان وأدى ثماره في التحرير من الاحتلال الإسرائيل ي دون أي ثمن بفضل المقاومة والعلاقة مع سوريا. أما في الشأن الداخلي فقد تميز الأداء خلال السنوات الست الماضية بالفشل والمشاكل وتضييع الفرص وقد اعترف الرئيس لحود نفسه بذلك أكثر من مرة لكنه اعترف في رسالة ترشيحه الأخيرة ولأول مرة بمسؤولية الرئاسة الأولى أيضاً في ما آلت إليه الأوضاع في لبنان.
ومن موقع الرافض للتمديد، أرفض التدخل في شؤون لبنان الداخلية وحملة أميركا وحلفائها على لبنان وسوريا. وإذا أردنا أن نبحث عن صدقية أميركا المهزوزة في العالم عموماً وفي العراق خصوصاً اليوم فنحن في لبنان مقتنعون بأنها اهتزت منذ وقت طويل في فلسطين ولبنان! فأميركا التي غطت الإرهاب الإسرائيل ي والمجازر الجماعية في فلسطين وحمت إسرائيل في مجلس الأمن دائماً وتنكرت لحقوق الفلسطينيين لا يمكن أن نصدق أنها مقتنعة بسلام عادل وبحقوق يكرسها للشعب الفلسطيني. وأميركا التي تخلت عن اتفاق الطائف الذي وفرت له مظلة دولية في مرحلة معينة لم تبادر إلى ممارسة أي ضغط على إسرائيل لتنفيذ القرار 425 وسحب قواتها من لبنان، بل راحت تمارس ضغوطات على سوريا ولبنان لخدمة المصـــالح الإسرائيل ية. وأميركا التي وعد رئيسها جورج بوش الأب الرؤساء الثلاثة في لبنان (رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابــي ورئيس الحكومة الذين زاروه معاً بعد الطائف) بتحريك صندوق الدعم الدولي لإعادة إعمار لبنان، أميركا هذه هي التي حاصرت لبنان ومنعت اللبنانيين المقيمين فيها من شراء بطاقة سفر للمجيء إلى وطنهم كما منعت الأميركيين من زيارته ومنعت المؤسسات الدولية من تقديم المساعدات والقروض والدعم له. والأرض تحررت بفضل المقاومة لكن الضغوطات الأميركية لم تتوقف بعد. وكلما اعتدت إسرائيل على لبنان وخرقت الحدود وأدانتها الأمم المتحدة دعت أميركا إلى ضبط النفس. أما عندما ترد المقاومة على العدوان الإسرائيل ي فتدعو أميركا إلى سحب سلاحها وتحذر من مخاطر وجودها وتطالب بإرسال الجيش إلى الجنوب وتفكيك سلاح الميليشيات.
لذلك لسنا في موقع من يصدق الغيرة الأميركية والحرص الأميركي على رفض التدخل في الشؤون الداخلية لتأتي أميركا وتصدر قراراً من مجلس الأمن يرفض انتهاك الدستور في لبنان ويعتبر القوات السورية قوات احتلال ويطالب بخروجها من لبنان! فماذا تفعل أميركا في العراق؟ أليست قوة احتلال؟ وهل احترمت الدساتير والقوانين والأعراف والمواثيق الدولية المتعلقة باحترام سيادة الدول وحقوق الإنسان فيه؟ أم أنها في موقع الإدانة في انتهاك كل ذلك وارتكاب المجازر الجماعية بحق المدنيين؟ أوليست إسرائيل دولة احتلال وإرهاب؟ وماذا تفعل أميركا إزاءها؟ وما علاقة أميركا وفرنسا وغيرها من الدول ومجلس الأمن أيضاً بالشؤون الداخلية في لبنان إذا مدد لرئيس أم لا؟ وأعود وأكرر أنا ضد التعديل الدستوري والتمديد للرئيس لكن هذا حقي وليس حق أميركا في ممارسة الضغط على لبنان!! من حق أميركا وأي دولة أن تعبر عن رأيها أو قلقها بمعزل عن خلفية موقفها. لكن أن تصل الأمور إلى حد استصدار قرار من مجلس الأمن بهذا الاتجاه فالأمر خطير للغاية. ومع ذلك أقول: لقد صدر القرار ولا يجوز التقليل من أهميته ومخاطره. وإذا كان ثمة متملقون ومتسلقون لمواقع سياسية بفعل التملق يطلقون مواقف من نوع أن القرار هو حبر على ورق أو زوبعة في فنجان أو لا تأثير له فإنهم بذلك يضاعفون تملقهم من موقع أنه لا شيء لديهم يخسرونه لأنهم في الأساس لا يمثلون شيئاً فعلياً في الحياة السياسية اللبنانية ولا يقيمون للأمانة وزناً واعتباراً.
إن القرار 1559 خطير جداً. ولا يجوز التعاطي معه بخفة أو انفعال أو ارتجال أو إهمال. بل يستوجب حركة سياسية دبلوماسية إعلامية لتجنب مخاطره وآثاره. ويجب ألا نغرق في ردود الفعل الرافضة داخلياً في لبنان دون أن نقوم بالواجب المطلوب خارجياً بعد إعداد الردود اللازمة المبنية على القانون والحقائق والوقائع لمقارعة آراء الآخرين في الأمم المتحدة قبل وبعد التقرير المنتظر لأمينها العام. ويكفي أن ننظر إلى حجم الارتياح الذي أبدته إسرائيل وإلى الموقف العربي الذي كان بعيداً كل البعد عن الموقف اللبناني. وكذلك إلى موقف فرنسا الدولة الصديقة التي كانت غالباً إلى ج