لعل أكثر ما يوجه إلى العولمة من الانتقادات، خاصة من قبل قوى اليسار العالمي، هو ذلك المتعلق بما يقال عن مساهمتها الكبيرة في توسيع مسافة الشقة، بشكل هائل، بين الأغنياء والفقراء على صعيد عالمي. ولكن الاقتصادي الفرنسي البارز فرانسوا بورغينيون يسائل هذا الاتهام في كتابه "عولمة اللامساواة" الذي لا يخلو عنوانه من مباشرة، وإن كان يُقرأ منه بدقة ما بين الدفتين. وينطلق الكاتب من السجال النمطي المرير حول الدور الكارثي للعولمة في مفاقمة نسب الفقر في الدول الأكثر فقراً، مقابل مراكمة الغنى في الدول الأكثر غنى، مبرزاً أن سكان الدول العشرين الأغنى في العالم ينعمون بمتوسط دخل يصل إلى 33 أللف يورو سنوياً، فيما لا يزيد دخل سكان الدول العشرين الأكثر فقراً على 600 يورو سنوياً، وهو ما يمثل 1 على 60 من دخل سابقيهم. ولكن، إذا شئنا الدقة، فليست العولمة في حد ذاتها هي المسؤولة عن توسيع الشقة بين الأغنياء والفقراء. بل على العكس يمكن ملاحظة تقليص ولو كان محدوداً لهوامش الفرق بين الدول الغنية والدول السائرة في طريق النمو. وقد سمحت حرية المبادلات واتساع نطاق التجارة ولحظيتها بتحسين ظروف اقتصادات الدول الفقيرة، التي عرفت كيف تركب موجة العولمة. وعلى سبيل المثال فمنذ عشرين سنة كان مستوى المعيشة في فرنسا أو ألمانيا أفضل بنسبة عشرين مرة من مستوى المعيشة في الصين أو الهند، ولكن هذا الفارق تراجع الآن بنسبة النصف. ومع هذا صحيح أن الفارق بين الأغنياء والفقراء اتسع بشكل كبير داخل الدول الوطنية نفسها خلال الثلاثين سنة الماضية، ويمكن القول إن للعولمة دخلاً محسوساً في ذلك. ولكن أسباب هذا الفارق معروفة أيضاً، وليس بالضرورة أن تكون العولمة في حد ذاتها هي سببه الأول، ففي الدول الغربية الغنية مثلًا أدت السياسات الليبرالية المفرطة وحتى المتطرفة إلى تخفيض نسب الضرائب على الشرائح الأكثر غنى، والأعلى دخلاً، في مقابل تقليص الميزانيات المخصصة أصلاً للرفع من مستوى معيشة الشرائح الأقل دخلاً في تلك الدول. ولذا كان من الطبيعي أن تترجم تلك السياسات غير المتوازنة المنحازة للأغنياء إلى أرقام أخرى تزيد نسبة الفارق بين الشريحتين. وفي الدول البازغة أيضاً أدت موجات الخصخصة غير المتوازنة إلى تغول القطاع الخاص على القطاع العام، حيث ظهرت مراكز قوى اقتصادية خاصة ذات حجم استثنائي، وتركزت الثروة بشكل أكبر في أيدي ذلك القطاع، وليس خلواً من المعنى هنا أن المكسيكي كارلوس سليم يتربع على رأس أثرى أثرياء العالم. كما أدى تراجع حضور القطاع العام إلى تردي أوضاع ومستويات معيشة القطاعات الشعبية الفقيرة المرتبطة بالخدمات العامة. ويتساءل الكاتب: ولكن هل سيستمر اتساع المسافة بين أرقام دخل الفقراء والأغنياء على مستوى عالمي، وعلى صعيد الدول الوطنية؟ مرجحاً استمرار الفارق في مستوى الدخل بين الدول الغنية والدول البازغة والفقيرة، وذلك لأن قواعد لعبة العولمة ستسمر في تفضيل وخدمة الدول الأغنى، دون أن يعني ذلك أن مستوى المعيشة لن يتحسن عالمياً أيضاً خلال السنوات الثلاثين المقبلة، وخاصة في الصين والهند والدول الأكثر انخراطاً في السياق العولمي. ومعنى هذا أن جزءا من حل مشكلات الفقراء يقع بأيديهم هم أنفسهم، من خلال الاجتهاد، والعمل على تحويل موانع العولمة إلى دوافع، وجعلها، استطراداً، سُلماً للصعود إلى تحقيق حلمهم الكبير، بدل أن تكون سلم هبوط وتراجع عن آمالهم وتطلعاتهم. وأكثر من هذا يقول الكاتب إن اتساع معدلات الفقر وتراجع معدلات الدخل وارتفاع نسب الفارق بين الأغنياء والفقراء ليست أيضاً مشكلات خاصة بالفقراء وحدهم، فما يترتب عليها من أمراض وانحرافات اجتماعية يحمل في طياته كثيراً من المخاطر العامة، كارتفاع نسب الجريمة ونشوب النزاعات على الموارد التي يمكن أن تكون لها تداعيات لا حصر لها على كلتا الفئتين معاً، سواء داخل الدولة الواحدة، أم على صعيد عالمي. والمطلوب في كل هذا هو أن تعمل سياسات القطاع العام في مختلف الدول على زيادة نسب الضرائب على الأغنياء، مقابل ضخ المزيد من الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة الموجهة للفقراء، وكذلك تحسين النظم التربوية لفتح جميع الآفاق والفرص أمام الشرائح السكانية الأقل حظاً، ولعل تجربة البرازيل في محاربة الفقر بالتعليم خلال السنوات العشر الماضية تبدو ملهمة، على هذا الطريق. حسن ولد المختار الكتاب: عولمة اللامساوة المؤلف: فرانسوا بورغينيون الناشر: سوي تاريخ النشر: 2012