في كتاب جديد، يقدّم "كيث ستانوفيتش"، الذي ألّف أو شارك في تأليف أو تحرير 6 كتب سابقة، منهجاً جديداً للوصول إلى عمق أسباب تقصير البشرية عن فهم ما يسميه بـ"الداروينية العامة" وللخوض في أعماق المعنى النشوئي أو التطوري للحياة. ويرى "ستانوفيتش" في كتابه "تمرد الروبوت: العثور على معنى في عصر داروين" أن من غير المعقول أن يكون للوجود البشري معنى إذا خرج عن سياق التطور، وهو السياق الذي يرى أنه يمارس تأثيره في كل جوانب الحياة، من علوم وبحوث وتجارة وسياسة واقتصاد وحياة يومية وكل شيء.
وربما يكون في الكتاب خلط ما بين ما يمكن اعتباره منهجية علمية وبحثية، هذا من جهة، ورغبة المؤلف في التمرّد على التكوين الجيني الطبيعي الذي يسيطر على كل شيء فينا، وهذا من جهة أخرى. ويدرك "ستانوفيتش" تماماً، ربّما بسبب قلقه من مسألة انعدام المساواة بين البشر، أن في أصل تكوين وطبيعة الإنسان ما يدفعه إلى الهيمنة على الغير في مختلف المجالات، وربما أنه يعتقد أن تفسير ما يؤرق المفكرين حيال البشر هو ذلك التباعد الحاصل ما بين من يخفقون ومن يحققون النجاح. وفي هذا ما قد يفسر دعوته إلى التمرد والخروج عن الطوق الذي يفرضه التكوين الجيني.
يقول "ستانوفيتش" إن "هذا الكتاب تم تأليفه بسبب صورة تنتابني. إنها صورة اللايوتوبيا التي تكون فيها النخبة الفكرية مطّلعة على خفايا العلم الحديث، لكنها تعتبر- ضمناً أو علناً- أن بقية الناس غير مؤهلين لاستيعاب هذه المضامين". ويضيف "ستانوفيتش" أن عموم الناس تُترك لهم القصص الآتية من فترة تاريخ ما قبل العلم، وهو يوجز ذلك كله بقوله إنها "صورة مادية علمية مستقبلية تتخلص من البروليتاريا فقط لكي تحل محلها ببروليتاريا فكرية". وربما يكون منشأ هذا الرأي غير المألوف من اللاّمساواة التي يشعر بها المؤلف، ومن إحساسه بأن نظرية الانتقاء الطبيعي التي وضعها داروين خلّفت وراءها عواقب شديدة العمق والتأثير في عموم ميدان الفكر البشري، ومن أهمها ربما نظرية عالم البيولوجيا "ريتشارد داوكين" الذي توسّع في نظرية داروين وفصّل فيها فخرج بنظرية "الجين الأناني" التي قال فيها إن البشر ليسوا إلاّ وسائل مهيئة لنسخ وتكرار الجينات.
وإذا كان "ستانوفيتش" العالم المتخصص في العلوم الإدراكية في جامعة تورنتو، يتفق من حيث الأساس مع جوهر فكرة "الجين الأناني"، فإنه يتمرد على ما تقدمه من خلاصات واستنتاجات قاسية ومتطرفة مفادها أننا نعيش تحت رحمة الجينات؛ وهو قلق أيضاً، شأنه شأن الكثيرين، من أن ذلك يوحي بأننا نحن البشر كائنات تحمل إمكانيات مبرمجة مسبقاً وتهيئنا للهيمنة والسيطرة. وللخروج من هذه الدائرة، وبغرض "العثور على معنى في عصر داروين" (العنوان الفرعي للكتاب)، يطلق "ستانوفيتش" مفهوماً بديلاً لهذه الفكرة المخيفة التي تؤكّد- بوجود الكم الهائل من البحوث في ميدان علوم الإدراك- على أن كلّ ما هنالك من عواطف وإبداع وقوّة وتكوين وما إلى ذلك ليست إلاّ أوهاماً أو نواتج جانبية. والبديل الذي يطرحه "ستانوفيتش" هو أننا أكثر قليلاً من روبوتات (بشر آليين- وهذه تسمية مستغربة تضع تعريفاً جديداً لفكرة البشرية وتجعل أهم محور لها هو الآلية والبرامج المعدة مسبقاً). غير أننا بحسب طرح "ستانوفيتش" نتمتع بمستويات أعلى من المقدرات العقلية والتحليلية التي تعطي البشر إمكانية التمرّد على ما يسميه بـ"جملة الأنظمة المستقلة بذاتها" وعلى ما يسمى بالـ meme، وتعني عموماً الفكرة، وتحديداً هو مصطلح يعني وحدة القياس الثقافية للتطور، وقد صيغ على مثال مصطلح الـ gene (وحدة القياس البيولوجي للتطور).
ويقول "ستانوفيتش" إن "تمرد الروبوت يصبح ممكناً عندما يبدأ البشر باستخدام معرفتهم بآلية عمل أدمغتهم ومعرفتهم بالأهداف التي تخدمها مختلف الآليات الدماغية لبناء سلوكها، ليجعلوها تخدم بذلك غاياتهم هم". ولدى البشر وحدات عقلية معقّدة تطورت لكي تحفظ الجينات من الانقراض، أي على غرار كل الأنواع الأخرى. لكن ما يميز البشر ويجعلهم متفردين هو تراكم المعرفة لديهم بنقلها ثقافياً من جيل إلى آخر، الأمر الذي تفتقر إليه الكائنات الأخرى ويجعل البشر سادة العالم. وبحسب رأي أنصار نظرية التطور، صار للبشر، على مدى آلاف السنين، منظومتان هما الوعي بالوجود (أي الدماغ البدائي) والقدرة على التفكير استناداً إلى الماضي والحاضر والمستقبل (أي الدماغ المستقل).
ويرى "ستانوفيتش" أنه، بعد مستوى الدماغ البدائي (المعني بإبقاء الكائن البشري على قيد الحياة لكي يكون ناقلاً للجينات) ومستوى الدماغ المستقل، هناك مستوى الدماغ العقلاني بالمعنى الواسع، وهو ما يعني أن المرء لا يستخدم معرفته فقط، بل المعرفة الجماعية العلمية لفهم التضاربات بين الدماغ البدائي والمستقل، والتي يمكن فهمها كالتالي: يمكن بالعلم إيجاد علاجات للأمراض واختراع وسائل الرفاهية والسفر إلى الكواكب ولا خلاف حول هذا كله؛ لكن الدخول في مسائل كاستنساخ البشر والعرقية والحروب والمساواة يعني نشوء كل