ليس من باب المصادفة أن تتحرك بعض الحملات ضد الإسلام ورسوله، وتتحرك معها الآلة الإعلامية الأوروبية والأميركية الضخمة، في لحظة يمر فيها العالم الإسلامي بحالة شديدة من الاضطراب والتحولات الخطيرة. ورغم كثرة التفسيرات وتعدد التصورات، فإن النقطة الجوهرية ربما يلامسها السؤال المتكرر: هل الإسلام يشكل تهديداً للغرب؟ المستعرب الألماني "فريتس شتيبات"، مؤلف كتاب "الإسلام شريكاً"، ينفي كلياً مثل هذا الاحتمال، ويؤكد في استنتاجاته العديدة أن الإسلام لا يمثل تهديداً للغرب، بل إن شعور كثير من المسلمين بأنهم مهددون يتسبب في ظهور اتجاهات لا عقلانية وتصرفات عدوانية، وعلى الغرب ألا ينساق وراء رسم الإسلام كعدو له، لأن ذلك سيدعم شعور المسلمين بأنهم مستهدفون ويدفع بعضهم نحو التشدد والتطرف... لذلك فعلى الغرب أن يفهم أن ما يحدث في العالم الإسلامي من اضطرابات إنما مصدره مشكلات مثل الفقر والمرض وضعف التنمية... وهي مشكلات أسهم الغرب في صناعة بعضها. وينقل أحد المؤلفين عن المستشرق روبير كاسبار قوله: إن الغرب لم يفهم الإسلام على حقيقته ولم يحاول ذلك مطلقاً، وحتى المسيحيين الذين كانوا يعيشون على مقربة من الإسلام والمسلمين لم يدركوا جوهر الإسلام وعظمته، بل اكتفى الجميع، ولمدة قرون طويلة، بتلطيخ الإسلام بأسخف التهم من دون أن يكلف نفسه دراسة هذه العقيدة الدينية العظيمة. وحين ظهر الاستشراق في القرن السادس عشر، يقول كاسبار، لم يظهر إلا للسيطرة على العقول خدمةً للاستعمار وترسيخ قواعده. وحسب إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق"، فإن الإسلام مثّل على الدوام إزعاجاً للغرب، وليس هناك حديث عن أي دين آخر غير الإسلام على أنه يمثل تهديداً للحضارة الغربية، بل إن كثيراً من الخبراء الغربيين ينصحون دولهم باستخدام القوة والعنف ضد الإسلام! والحقيقة أن القوى الصهيونية أسهمت من جانبها في استثمار ذلك الخوف، حيث يؤكد الكاتب الأميركي "نيثان لين"، مؤلف كتاب "صناعة الإسلاموفوبيا"، في حواره مع جريدة "الأهرام" الصادرة بتاريخ 2012/9/20، أن اللوبي الإسرائيلي في أميركا وأوروبا له نفوذ قوي في خلق مثل هذه الصناعة المخيفة، وفي إيجاد مناخ من الذعر وعدم الثقة والعنف، حتى تسوّق إسرائيلُ نفسَها على أنها ضحية. وكما يقول "لين"، فإنه كلما اتسع نطاق الكراهية للإسلام، كان من السهل على إسرائيل تقديم نفسها كـ"ضحية" وتوسيع تمددها فيما تبقى من أرض فلسطين. وهناك أمران توقف عندهما كثير من الباحثين في الشأن السياسي: الأول: هو التوافق التام بين الحركة الصهيونية واليمين المسيحي الذي أصبح جزءاً من الحكم في بعض الدول الغربية، في صناعة الخوف من الإسلام والتحريض ضد "الخطر الأخطر"، وذلك سعياً لإثارة الفوضى والاضطراب. وفي هذا الخصوص يعتقد المستشرق الروسي سعيد عفوروف أن الاضطرابات الدورية تمثل جزءاً من قواعد اللعبة التي يديرها اليمين الأميركي المحافظ، بما يوفر بيئة مثالية لتنفيذ سياساته. الأمر الثاني: مسألة حرية التعبير، والتي دائماً ما تستخدم شعاراً لتبرير التجاوزات ضد الإسلام والمسلمين. صحيح أنها حق ثابت يجب الحفاظ عليه وحمايته، لكن على نحو يضمن عدم الاصطدام بمعتقدات وقيم الآخرين، كما يقول "بان كي مون" أمين عام الأمم المتحدة. لهذا يرى البعض في العالم الإسلامي أنه لا مشكلة لهم مع الغرب سوى في ازدواجيته؛ أي كونه يحمي من يتطاول على الإسلام، ويطارد من يتحدث بكلمة عن الهولوكوست. ومن هنا ينطلق وحش التطرف!