عندما خرجت نتائج تقرير منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي OECD والمكونة من 34 دولة في عام 2001 بنتائج كارثية لتذيّل الطلاب الألمان للقائمة التي تصدرتها فنلندا وكندا وبريطانيا، تعهّد المسؤولون الألمان بإصلاح الأوضاع خلال سنتين، لكن عادوا قبل انتهاء المدة ليطلبوا 15 عاماً أخرى لتصدّر القائمة، فقد اكتشفوا أن الوقت هنا مختلفٌ تماماً، وحسناً فعلوا فها هي النتائج مبشرة لهم إذ تشير نتائج العام الماضي إلى أنًّ ألمانيا الثامنة في العلوم والرابعة عشرة في الرياضيات والقراءة، في تقرير حمل مفاجأتين، الأولى مشاركة كوريا الجنوبية لفنلندا في الصدارة، والثانية لسقوط الولايات المتحدة في مؤخرة التصنيفات الثلاثة! بدأتُ بهذه الواقعة حتى أُبيّن أهمية العقلانية في توقع مخرجات التطوير في الأنظمة التعليمية، والتي صحا على حقيقتها المسؤولون الألمان بعد ذلك التسرّع غير المبرر في استباق نضج الثمار قبل أوانها، والتي يُشاطرهم في ذات التسرّع بعض الكتّاب والذين لا نشكك في صدق نواياهم، ولكن ربما يحتاجون إلى إعادة النظر في حقيقة الأمور قبل القفز إلى الاستنتاجات المجحفة، فالتعليم ليس عقاراً يتم تشييده في بضعة أشهر، بل هو تغيير ونقلةٌ نوعية للنمط التفكيري لدى جميع المشاركين في العملية التعليمية، وهو أمر لا يُفترض إطلاقاً محاولة حرق مراحله أو الاستعجال حتى نتأكد أنّ المخرج النهائي سيكون حسب ما تم التخطيط له بدقة بدلاً من أن نجد أنفسنا أمام مخرجات مشوهة نتيجة ذلك التسرّع! إذا كنّا راضين عن واقعنا التعليمي فتلك مصيبة، وإن كنّا ننتقد برامج التطوير التي بدأها مجلس أبوظبي للتعليم من أجل عيون النظام القديم فتلك أم المصائب كلها، فمن المعلوم بداهةً أن الاستمرار بعمل نفس الأمور سينتهي بنا دوماً إلى نفس النتائج، ومن توقع غير ذلك فهو لا يُغالط إلا نفسه، فالتغيير في جميع مكونات العملية التعليمية من خلال مقارنات معيارية مع أفضل التجارب العالمية ومحاولة تكييفها لتتوافق وخصوصية مجتمعنا المحلي هي الحلّ الذي يجب أن يقف الجميع في صفه ، فالعالم يتغيّر بتسارعٍ كبير ولن ينتظر لمتقاعسٍ أو متقوقعٍ على نفسه، أو متباكٍ على الماضي الذي يراه لوحده جميلاً، فتحديات المستقبل كثيرةٌ جداً والبقاء سيكون ليس للأكبر أو للأقوى من الأُمم، بل سيكون للأذكى، ففي عالم تكثر تحدياته وتتنوّع إشكالياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتُشارف أغلب مصادره على النضوب لن ينفع للتعامل معه إلا الفكر المختلف لخلق وضمان بقاء الميزة التنافسية للدول! كانت قيادتنا الرشيدة واضحة، عندما أطلقت مبادرة "التعليم أولاً" وبجعله أولويةً قصوى، ووجّهت ميزانيةً هائلة لتطوير هذا القطاع، وجنّدت له خيرة المنتسبين للقطاع التعليمي والتربوي، وتم إجراء مقارنات كثيرة لتبني أفضل الموجود عالمياً، مع التركيز على ما يُسمى اصطلاحاً بإعادة هندسة قابليات التعليم، فلم يعد لمثلث التعليم القديم (المعلم ، الطالب، المنهج) من منطق، لأنه جزء من منظومة أكبر لا يمكن إغفالها كالبيئة المحيطة ودور الأسرة الغائب حالياً ودور قطاع الأعمال ونظرته للتخصصات المطلوبة مستقبلاً في سوق العمل، إذا ليس من المنطق بمكان أن نجد بطالةً بين الشباب ونحن نستورد تخصصاتٍ عديدة من الخارج لعدم وجودها محلياً! إن المجلس يُمثل ثِقلاً أكاديمياً هائلاً ويحوي تراكماً عالياً من الخبرات التعليمية والفكرية، حيث تُشير التقارير الرسمية إلى أنّ 1130 من العاملين لديه يحملون درجة الماجستير، و69 يحملون الدكتوراه، وهو أمر يجعل من الضروري الثقة بالخطط الطموحة التي تم وضعها لإمارة أبوظبي، فوحدها الأمم الجريئة من يستطيع مزاحمة الكبار، ولننظر إلى التجربة السنغافورية والتي تُعتبر إحدى التجارب التي استفاد منها المجلس في بلورة سياسته واستراتيجيته التطويرية للقطاع، إذ يقول في تقريظها الكاتب الأميركي الكبير توماس فريدمان : "من يذهب إلى أوروبا فسيرى الماضي، ومن يذهب إلى الجامعات الأميركية فسيرى الحاضر، أما من أراد أن يرى المستقبل فعليه الذهاب إلى سنغافورة وآسيا". والمؤكد لكلام فريدمان أنّ مقاييس سنغافورة ومعاييرها التعليمية بلغت من فرط جودتها درجة أنّ ولاية كاليفورنيا والتي تحوي أعظم الجامعات العالمية كستانفورد و بيركلي قررت استخدام ذات المعايير في تقويم مناهجها لمادة الرياضيات! في عام 1997 خلال الموتمر الدولي السابع للتفكير أطلق رئيس الوزراء السنغافوري (جوه شوك تونغ) مبادرته لتطوير التعليم في سنغافورة تحت شعار "مدرسة تفكر... وطن يتعلم"، كان الهدف منها تعلّم التفكير الناقد بدلاً من أسلوب التلقين والحفظ التقليدي، إذا إن ذلك الأسلوب البائد لا يعدو أن يكون كما وصفه الطبيب والكاتب البريطاني أليك بورن بقوله: "من الممكن أن تحفظ مليون معلومة وتبقى فوق ذلك غير متعلّم إطلاقاً!"، ولم تكن مبادرة سنغافورة ارتجاليةً بل يؤيدها تقرير النسخة الآسيوية من صحيفة (وول ستريت جورنال) لعامي 97 و 1998 والذي استخلصت به ذلك الاستنتاج الذي يقول: "الكفاح طويل الأمد من أجل النجاح الاقتصادي سيكون في حلبة الفصل المدرسي أكثر منه في أسواق المال" ، وهو أمرٌ يجب أن نعيه، وأن نوقن به إن أردنا مستقبلاً أفضل بكثير لبلادنا، بدلاً من البحث عن الهفوات التي لا يسلم منها عمل أو استعجال نتائج لا يفترض منطقياً أن يتم ملاحظتها بهذه السرعة، فالتشويش في هذه المرحلة غير مرغوب وغير مطلوب، ومن أراد المقارنة فليأخذ بكافة عناصر المقارنة زمنياً ومكانياً وكوفرة موارد بشرية ووجود أرضيةٍ متقبّلة لمثل هذا التغيير! في السنوات القليلة الماضية احتكر الطلاب السنغافوريون المرتبة الأولى بين 45 دولة في دراسة الرياضيات والعلوم التي ترعاها الرابطة الدولية لتقويم التطوير التربوي ، ولابد من الإشارة إلى أن سنغافورة ليست عضواً في منظمة التطوير والتعاون الإقتصادي والذي تتصدره فنلندا وكوريا الجنوبية، وإلا لتنافسوا بعدها على المركز الثاني، كما أصبح من المألوف أن يفوز السنغافوريون سنوياً بالأولمبياد الدولي للرياضيات والكيمياء والفيزياء ، لذا لم يكن غريباً أن تخصص الحكومة السنغافورية ميزانيةً إضافية قدرها 1.16 مليار دولار أميركي لإيجاد مدارس ذكية تعتمد على التقنيات الحديثة، وهو الأمر نفسه الذي حذته أبوظبي مؤخراً ليس تقليداً وإنما ايماناً بأن تقنيات التعليم الحديثة تمثل أداة تعليمية متفوقة للغاية إنّ الحاجة هي أمّ الأختراع، وإنّ أبوظبي وهي تسعى جاهدة لتضع قدميها معاً مع صفوف النخبة العالمية وضعت رهانها على التعليم ونقله إلى مصاف الأنظمة المتفوقة عالمياً، فالولايات المتحدة الأميركية عندما رأت السوفييت قد سبقوها لإطلاق قمر صناعي، قامت بالتركيز على تطوير مناهج العلوم الرياضيات تحديداً وبعد (عشر سنوات) كان نيل آرمسترونج يضع قدمه على سطح القمر، بعد عشر سنوات وليس سنة أو سنتين فقط يا سادة! إنّ هدف مجلس أبوظبي للتعليم هو خلق مجتمع المعرفة ليسهم في تمكين الدولة من الوفاء بطموحاتها لتكون في صفوف النُخبة، وهو مجتمع مفكر ومبدع ومتفاعل ايجابياً بما حوله ومن حوله، وإن التفاعل بمن حولنا يتطلب أن نُلمّ بلغة العالم المشتركة حالياً، فالتعليم ثنائي اللغة ليس تملّصاً من ثقافتنا وهويتنا العربية، بل هو أمرٌ حتمي يتطلبه الواقع وتستلزمه الظروف التي لا نستطيع التحّكم بها، فالإنجليزية هي لغة العلم حالياً وبديلنا الثاني هو تعريب كافة تلك المؤلفات التي تُعدّ بالملايين في مختلف العلوم وهو أمر أقرب للمستحيل، وإننا لنعجب ممن يتأفف من الإنجليزية، ولكن تجده وقد قام طوعاً بنقل أبنائه إلى مدارس خاصة مناطُ التعليم فيها بالكامل باللغة الإنجليزية! لقد كانت أبوظبي دوماً عند حُسن الظن بكل رهاناتها، ففي كل مجالٍ تجد بصمتها المميزة تبزّ أقرانها وترسم للبقية كيف يكون صنيع الحكومات الرائدة، وأنّها كما أسكتت كل أفواه المشككين في قدراتها الاستثمارية ونظامها الاقتصادي المتنوّع وحضورها السياحي الكبير وقطاعاتها الصناعية التي أصبحت صناعة الطيران وصناعة أشباه الموصلات من مفرادتها المعتادة وسبقها للآخرين في مبادرات الطاقة النظيفة والطاقة المتجدّدة، فإنها كذلك لن تخسر رهانها على التعليم، فما يتم التخطيط له برويّة وبمقاييس معيارية شديدة ويحظى بتقييمٍ صارم لضمان بقاء التنفيذ حسبما خُطّط له، فإنّه لا خوف على مخرجاته والتي ستخرج حتماً بإذن الله كما نحب ونتمنى، ولكن وفق برنامجها الزمني الذي لا يجب أن نحاول اختصار مراحله دون سببٍ مقنع وبمجازفةٍ غير مأمونة العواقب، وإنّه من المهم أن نُخفّف حدّة النقد إن كنّا فعلاً نرى أنفسنا في ذات القارب، وكما قيل: فإنّ الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء، الفارق أنهم يشجعون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل! مهرة سعيد المهيري كاتبة إماراتية