من رحم الثورة يولد نقيضها، وهذه مشكلةٌ أخرى تبحث عن حل، لكن لنبدأ الحديث عن الدولة الدينية، والتي هي في واقع الأمر دولة "فقه" لا أكثر ولا أقل، والفقه ظاهرة مؤقتة تعكس علاقات القوة السائدة، هكذا يخبرنا التاريخ والواقع أيضاً. وعلى صعيد آخر فإن الكرم الزائف الذي يهب عبره الثوار للناس حريات طارئة تجعلهم مملوكين لهؤلاء الثوار، الذين ينصبون أنفسهم ملاكاً للحق مانحين إياه، كل هذا يمر عبر عناصر ثقافة الصمت والخوف من الحرية التي كرس لها الاستبداد الثوري الديني أيضاً. لا نقصد الثورة أو الدين هنا، بل نقصد الثوار الذين يستغلّون الثورة، ورجال الدين الذين يستغلون الدين. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الثوار إلى رجعيين ويتحول الفقهاء إلى ثوار، حينها يضيع الوطن ويضيع المواطن الذي يفقد القدرة على ممارسة الوجود البشري كاملاً والذي يتمثل في الحق في الكلام، والتعبير، والتصرف، والتنقل والكسب... فتتحول رحلة التحرر في الاتجاه الخاطئ ويصبح الثائر مجرد جزء من اللعبة، يلعب دوره كطرف في عملية القهر التي تتكرر لكن بألوان أخرى جديدة، براقة في أحايين كثيرة. لا أحد يستطيع أن ينكر عجز "الثوار" دائماً عن صناعة "الدولة" في حال لم ينزعوا عنهم حلتهم ويتجهوا ناحية عقلنة الثورة وأنسنتها، لأنه في كلا الحالتين تضيع الحسابات بين الذاتي والموضوعي بالنسبة لهؤلاء وأولئك؛ فالفقيه ينظر لنفسه على أنه وحده يمتلك الحقيقة المطلقة، لذلك نجد المتصوفة في ليبيا يجابهون حرباً مسلحةً على أيدي الحنابلة، والإباضية يعانون من إجحاف وإقصاء المالكية، الأول "قبوري" يتسلّح في مجابهة "مشبه" يناصبه العداء، والآخران "قدري" يجابه "مرجئاً"... هكذا يقول كلٌّ عن الآخر، وفي نهاية المطاف تسود علاقة العنف ليتغير فقط شكل الطبقة المهيمنة على الدولة. لكن ما هي الدولة؟ وهل توجد دولة دينية ودولة ثورية يمكن أن تنشئا في خدمة الإنسان أو تحميان حريته؟ الدولة هي الشكل الموضوعي للمواطنة، وهي كظاهرة إنسانية عامة تعني تجسيد السلطة عبر محاور الهدف من تكوينها، ووسائل عملها. وعلى الجانب الآخر فإن الدين مرتبط بالدرجة الأولى بالوجدان الفردي، أي بما لا يدخل في إطار المرئيات أو الحياة الدنيا إلا عبر نظام "الأخلاق"، أما الدولة فغير ممكنة في نظام ينفصل فيه الفرد عن الحياة الدنيا حيث يتكون الوعي الديني الذي يهيء الفرد لحياة السعادة في الحياة الآخرة. لذلك فإن الدولة حين تتبنى الدين فإنها تلغيه في الوقت ذاته، وذلك لأنها لا تستطيع أن تتضمن أي قيمة أعلى من قيمة الحياة الدنيا، إذ تنكمش الماديات في الخطاب الديني، هذا خلافاً لمبررات تكوين الدولة التي تقوم في الأساس على تلبية رغبات الإنسان . لكن حين تحجب الدولة غايتها خلف الدين، ويختفي الدين خلف غايات الدولة، يحدث التسلط، أي احتكار الثروة، وإدخال "المواطن" في لعبة "التجنيد" بدلاً من "التنشئة"، فتفقد الدولة مواطنيها داخل فوضى الأدوار المبعثرة في منظومة الخطاب اللاورائي، ويفقد المواطنون دولتهم داخل خطاب اللاهوت غير المبالي بالحياة الدنيا أصلاً. صلاح علي إنقاب كاتب ليبي ــ ــ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـ ينشر بترتيب مع مشروع "منبر الحرية"