حاولت قلة متطرفة في أميركا وأوروبا، تعتلي صحف صفراء، ومنظمات عنصرية أن تسيء إلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فأحسنت إليه، من حيث لا تدري، وعلى عكس ما أرادت، وما صورت لها أذهانها المريضة بداء الإفلات الذي تسميه زوراً وبهتاناً "حرية تعبير"، مع أن الحرية لا تعني الفوضى ولا تجريح الناس، كما أن التجرؤ على عقائد الناس ليس شجاعة، بل وقاحة، من الضروري أن يكون هناك قانون دولي يضع حداً لها، ويخمدها في مهدها، حتى لا تؤدي إلى فتنة، لعن الله من أيقظها، ومن ينفخ في نارها. وإذا كنا نعلم الكثير عن تفاصيل غضبة العالم الإسلامي، فإن ما يجب ألا يسقط سهواً ولا عمداً من أذهاننا هو أن الغرب لم يكن كتلة واحدة في رؤية هذا الحدث الجلل، بل إن فيه رجالاً ومفكرين كانوا أكثر حدة في رفض الإساءة للرسول الكريم من بعض المسلمين أنفسهم، وذلك من منطلق احترامهم لمشاعر الناس الدينية، وتبصرهم الجلي بالقاعدة الذهبية التي تقول "إن حريتي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين" وأن تجريح عقائد الناس ليس مجالاً للأفعال الصبيانية الرخيصة، التي يرتكبها بعض المغرضين أو الملحدين، الذين وصل الغرور ببعضهم إلى الادعاء بأن من حقه أن يرسم صورة الله نفسه! وفي غمرة الحدث الجلل يجب ألا ننسى عدة أمور حتى يمكننا أن نقيم ما جرى على وجه الصواب، دون تسرع أو انحياز إلى الفوضى أو الغوغائية التي لن تنتج أي شيء مفيد على المدى الطويل. الأمر الأول أن هناك دراسات تبين أن أغلب الأوربيين ملحدون، وأن من بين ثمانمئة مليون كاثوليكي في العالم أجمع لا ينتظم في الذهاب إلى الكنائس إلا ما يربو قليلاً على عشرة ملايين شخص، وهذا أمر يجب أن يقلق المسلمين أكثر مما يفرحهم، فالمسيحي المؤمن، كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه، أفضل كثيراً ممن لا يؤمن بالله، والإساءة للرسول الكريم لم تأت من مسيحي يدافع عن دينه، بل أتت من أناس لا يحترمون أي دين. كما أن هناك في تاريخ العلم والثقافة الأوروبي من أنصف رسول الله إنصافاً كبيراً. وهناك دراسة مهمة للدكتور نجم عبد الكريم وسماها بـ"كيف ينظر عباقرة أوروبا إلى شخصية رسول الله؟"، قدّم فيها استشهادات بالغة الأهمية على إنصاف علماء ومثقفين وأدباء أوروبيين للرسول الكريم. فها هو توماس كارلاريل يصف الرسول في كتابه الأثير "الأبطال"، بأنه راسخ المبدأ، صارم العزم، بعيد الهم، كريمُ، برٌ، رؤوفٌ، تقيٌ، فاضلٌ، حرٌ، جمّ البِشر والطلاقة، حميد العشرة، حلو الإيناس، مشرق الابتسامة. أما الشاعر الفرنسي لامارتين فيقول: "محمد ً أقل من إله، وأعظم من إنسان، أي أنه نبي". ويرى الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون أن الإمبراطورية التي أنشأها المسلمون كانت الأقل سفكاً للدماء في تاريخ الإنسانية، رغم ادعاء البعض انتشار الإسلام بحد السيف. ويقول لوبون عن القرآن: "حسب هذا الكتاب تقديساً وخلوداً أن القرون التي مرت عليه لم تستطع أن تجفف ولو قليلاً من أسلوبه الذي لا يزال نقياً، كأن الأمس هو عهده بالوجود". وفي كتابه العمدة "تاريخ الأدب العربي"، يقول المستشرق النابه كارل بروكلمان إن محمداً جاء لينير الدرب لمن كانوا يسيرون في الظلام. أما كتاب "ألف شخصية عظيمة"، لبلانتاجيت سومرست فراي، فيشهد أن "الكثير من المغرضين طمسوا معالم شخصية نبي الإسلام، حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، إنه شخصية كبرى في تاريخ العالم، فضلاً عن أنه نبي مرسل". ويهاجم الكونت دى بول نيفيلييه رجالَ الدين المسيحي الذين تعمدوا التغاضي عن فضل الإسلام والمسلمين على الإنسانية جمعاء، فيما يتخذ المستشرق الفرنسي ألفونس إينين دينيييه، الذي أعلن إسلامه عام 1927، الموقف نفسه، مدافعاً عن الإسلام والرسول الكريم. وها هو الروائي الفرنسي العظيم أناتول دى فرانس، يتحدث على لسان أبطال إحدى رواياته قائلاً: "أشأم أيام التاريخ هو يوم معركة بواتييه عام 732 عندما وقف الزحف الإسلامي، حيث توقفت الفنون والحضارة العربية أمام البربرية الأوروبية". ويذهب الأديب الألماني الخالد جوته في الاتجاه نفسه، معظماً مكانة الرسول في تاريخ الإنسانية، ومستشهداً في أعماله بالقرآن الكريم والسيرة النبوية، حتى قيل أنه قد أسلم سراً. والأمر نفسه تكرر في أدب روائي وكاتب الأرجنتين العظيم خورخي بورخيس الذي هام عشقاً في حضارة الشرق وأدبه، وظهر تأثره البالغ بالقرآن الكريم. وينصف العلامة رودينسان حضارة المسلمين قائلاً: "إن علوم أوروبا فيما تلا الحروب الصليبية، والقرون الوسطى هي كلها علوم عربية الأصول إسلامية المصادر". ويؤكد العالم الفرنسي جوزيف كالميت أن "المسلمين هم الذين قدموا الثقافة المثمرة للحضارة المعاصرة، بينما كان غير المسلمين يتلقون هذه الثقافة العربية الإسلامية بكل فخرٍ واعتزاز. ويقول الشاعر الأميركي الكبير واشنطن إيرفينج: "كانت أمية محمد إحدى دلائل معجزة النبوة عند هذا الرجل الأمين الصادق، الذي بعثت به السماء لمهمة مقدسة، وكان حريصاً لإيصالها بالحب، بعد أن علّمته السماء... كان يحارب من أجل العقيدة، لا من أجل مصلحة شخصية". والأمر الثاني أن أداء الجاليات الإسلامية في الغرب لا يخدم الإسلام كثيراً، فالجهد الذي يبذلونه في تبصير الناس بحقيقة الإسلام قليل، وسلوك بعضهم يسيء إلى دينهم، كما أن انغلاقهم على أنفسهم، ورفض الإندماج الإيجابي في المجتمعات التي يعيشون فيها ويستفيدون منها يقلق اليمين الأوروبي المتطرف منهم، فينعكس هذا سلباً على الإسلام. أما الأمر الثالث فيتعلق بالصبغة السياسية التي سيطرت على مضمون الصور والأفلام المسيئة للرسول الكريم، من زاوية ربطها بين الإسلام والإرهاب، وهي صورة مستقرة في أذهان الكسالى في الغرب، الذين يصدقون ما تبثه إليهم وسائل إعلام مغرضة، ومناهج تعليمية وتربوية محرفة، ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة، ومن بين من رسم هذه الصور ومن نشرها، حيث اعترفا في مقابلة صحفية أجريت معهما بعد تفاقم الحدث، أنهما لا يعرفان كثيراً عن الإسلام، ولا يدركان شيئاً عن سيرة الرسول.