شكلت خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون، المتعلقة بالانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة ومن بعض المستعمرات/ "المستوطنات" النائية في الضفة الغربية، تحدياً جديداً بالنسبة للفلسطينيين. وهذه "الخطة" مكنت شارون من الوصول، بيسر نسبي، إلى هدفه الخاص بالدمج بين الوسائل العسكرية والسياسية في حربه المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني. ويتمثل الهدف الشاروني من وراء هذه الخطة، في اعتقاد كثير من المراقبين، بالتملص من "خريطة الطريق" واستحقاقات اتفاقات أوسلو وغيرها من الخطط التي تعج بها الساحة الدولية والإسرائيلية منذ فترة وأيضاً في هذه الأيام. كما يهدف شارون وأتباعه إلى تحسين صورة إسرائيل أمام العالم مقابل تحميل المسؤولية للفلسطينيين عن فشل عملية التسوية. ومع ذلك، هناك ثلاث نقاط يعتبرها عدد من السياسيين بمثابة "نقلة نوعية" في توجهات شارون وفكره السياسي: أما النقطة الأولى فتتمثل في استعداده لتفكيك المستعمرات/ "المستوطنات" القائمة في قطاع غزة إضافة إلى بعض المستعمرات المتناثرة في الضفة الغربية، علما بأنه كان، حتى وقت قريب، يرفض تفكيك أية مستعمرة، فهو الذي قال إن مستعمرة نتساريم في غزة هي "بمكانة تل أبيب". أما النقطة الثانية فتتجلى في استعداده للانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة وبعض مناطق الضفة على خلاف المواقف التي كان يعتمدها سابقاً والتي كانت تنطلق من مواقف أيديولوجية "توراتية" ومن ممانعة أي خطوة أحادية من هذا النوع باعتبار أنها قد تفهم من قبل الفلسطينيين على أنها نتيجة لكفاحهم أو على أنها جائزة للمقاومة أو الانتفاضة الفلسطينية. وثالثة هذه النقاط، معاودة شارون التأكيد على "الالتزام" بخطة خريطة الطريق بشأن إقامة "دولة للفلسطينيين ذات تواصل جغرافي وإقليمي".
وبالرغم من أهمية هذه "التحولات" في الفكر الشاروني، فإنها لم تكن لتحصل لولا تصاعد المقاومة للاحتلال والتكاليف المتزايدة مادياً وبشرياً التي تتكبدها الدولة العبرية يومياً، وكذلك الخوف الإسرائيلي المتزايد من الخطر الديموغرافي وتدهور صورة إسرائيل وعزلتها على الصعيد العالمي. فهذه العوامل كلها هي التي تقبع في خلفية سعي الدولة العبرية للتخلص من تبعات السيطرة السياسية والأمنية والاقتصادية والديموغرافية على الفلسطينيين. ودائماً، يتصدر الأغراض الشارونية هدفه الساعي إلى التلاعب في الوقائع لفرض الإملاءات الإسرائيلية على الفلسطينيين إن لم يكن بالطرق العسكرية أو بالمفاوضات "المفروضة من أعلى"، فإنها تكون عندئذ وفقاً لسياسة فرض الأمر الواقع على الأرض! ومع الأخذ بعين الاعتبار مواقف اليمين المتشدد إزاء تقديم أية تنازلات للفلسطينيين ووضعه العراقيل في طريق عملية السلام، فإن البعض يشكك بقوة في حقيقة ما أقدمت عليه الحكومة الإسرائيلية. ولا يزال الفشل الذي منيت به اتفاقية كامب ديفيد الثانية ومذكرة جورج تينيت وتوصيات لجنة ميتشيل يلقي بظلال قاتمة على خريطة الطريق والخشية من أن يكون الفشل "المعتاد" مصيرها المحتوم. وفي هذا النطاق، يقول المحلل السياسي البارز ناحوم برينياع "إنه في تاريخ الصراع الإسرائيلي – العربي لم يتم تطبيق أية وثيقة أعلن عنها قبل التفاوض حولها". وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي طرح في البداية بشأن ما إذا كانت "الموافقة" الإسرائيلية (المشروطة طبعا) على خريطة الطريق تشكل تحولا جديداً في مواقف شارون وباقي قادة اليمين الإسرائيلي أم هي مناورة سياسية مرحلية.
في قراءة سريعة للمشهد السياسي الإسرائيلي في ضوء تولي حكومة ائتلاف اليمين المتشدد الذي يقوده شارون مقاليد الأمور، تبرز الفكرة القائلة إن الحكومة الإسرائيلية تعوّل على فشل خريطة الطريق وخلق واقع ينسف هذه الخطة خاصة في التوكيد المفرط على الشق المتعلق بالقضاء على المقاومة ومطالبة السلطة الفلسطينية تفكيك بنية ما تسميه إسرائيل "البنية التحتية للإرهاب"! ومن الواضح أن شارون بمخططاته الأحادية هذه يعمل على عدة محاور: فهو أولا يحاول استباق أية مبادرة دولية أو أميركية للتسوية من خلال تقويض "مفهوم الرابع من حزيران" نهائياً على الأرض وهذا ما نجح فيه حيث أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش أن عودة إسرائيل إلى حدود الرابع من حزيران هو "مطلب غير واقعي"! كما يعمل شارون على فرض سياسة الأمر الواقع على الفلسطينيين والعالم بحيث تكون حدود الأمن و"الاستيطان"/ الاستعمار هي الحدود "الأمنية والسياسية لدولة إسرائيل". هذا ويحاول شارون في حال عجزه عن منع قيام "دولة فلسطينية" خلق الوقائع التي تتيح له خنق هذه الدولة أو تحجيم حدودها والسيطرة عليها اقتصادياً وسياسياً وديموغرافياً وطبعاً أمنياً وعسكرياً! ويحاول شارون بسياسته هذه إرضاء جميع الأطراف داخل الصف السياسي اليميني (وأيضاً اليميني المتطرف) على امتداد المشهد الإسرائيلي. فهو سيرضي اليسار بتفكيك بعض المستعمرات وبالانسحاب من غزة، كما سيرضي اليمين والمستعمرين المتطرفين بزيادة مستعمرات الضفة الغربية وضم مساحات واسعة من الضفة الغربية إلى