قلنا في مقالة نشرناها هنا في صفحات جريدة "الاتحاد" الغراء بتاريخ 10 مايو 2012 إن الإعلام هو الطريق السيار الذي من خلاله تمر الصور والكلمات، والإعلاميون هم الذين يقدمون في بعض الأحيان أنصاف الحقيقة إلى المتلقين وهم من يساهمون في صناعة الصور بل وبعض الأخطاء التاريخية (كالتشكيك في نوايا المهاجرين المسلمين والنيل من ثقافة العرب ومنظومة قيمهم ونشر موجات الخوف والقلق في المجتمع الغربي) من خلال الخط التحريري إذا لم يبن على أساس الموضوعية والتوازن. وخلصنا إلى أنه من خلال "ميثاق شرف إعلامي" جديد، يمارس من خلاله الإعلاميون الموضوعية والتوازن والتريث وضبط النفس في مواجهة "حرارة اللحظة"، وممارسة محاسبة الذات والنقد التأملي الذي يمنع من الانزلاق إلى تصور القطيعة بين "نحن" و"هم" وبين "الأنا" و"الآخر"، وإعادة الصفة الإنسانية إلى الجميع، يمكن أن يساهم الإعلام في تحالف الحضارات، وقد صدق هاورد روس (Howard Ros) عندما قال: "ولا يتعاطف الصحفيون الواعون مع أحد الأطراف، وإنما يكونون منغمسين في إيجاد الحلول. والصحفيون الواعون للنزاع يختارون كلماتهم بعناية". استحضرت مرة أخرى هذه الفقرات وأنا أغادر مدينة باريس في سفر خاطف عائداً إلى مدينة فاس حيث رأيت جواً كئيباً من الفندق الذي كنت فيه إلى مطار "أورلي" الدولي حيث تعيش السلطات الفرنسية حالة استنفار قصوى تخوفاً من ردود فعل انتقامية على الرسوم الكاريكاتورية التي أساءت للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، التي نشرتها مجلة "تشارلي إبدو" بغاية الاستخفاف بمشاعر المسلمين، وعند امتطائي السيارة إلى الفندق لم أكن لأسمع في مذياع السيارة إلا قرار الخارجية الفرنسية غلق بعض البعثات الثقافية والدبلوماسية لها في العشرات من البلدان. ولما وصلت إلى المطار وجدت عسكر المطار يطوقون مساحة لا بأس بها بسبب وجود حقيبة مرمية على الأرض بدون صاحب فكادت الرحلة تفوتنا لولا قدرة قادر، وفي صالون الانتظار، كانت القنوات كلها تتحدث عن الاحتياطات الأمنية التي تتخذها الولايات المتحدة الأميركية وتتخذها فرنسا وغيرها من الدول في أنحاء العالم.... ومما يزيد الحسرة في تلك القنوات أنك تسمع حواراً عقيماً بين من يرى في تلك الصور إساءة للإسلام والمسلمين ومن يرى أنها مجرد تأكيد لممارسة حرية التعبير الغائبة في العالم العربي. إن الإعلام سلاح ذو حدين، فإما أن يقوم على أساس فكري عام يستند إلى قواعد مثل "الموضوعية" و"الحياد"و"التوازن"، وإما أن يقوم على قواعد غير ثابتة ونوايا مبطنة واستراتيجية عقيمة... والأساس الفكري الأول يستند إلى ميثاق شرف إعلامي غير مكتوب أو لنقل إلى دستور إعلامي غير مكتوب لأنه يستحيل كتابته وتبنيه، ولكن أصوله وقواعده معروفة عند العامة والخاصة وعلى رأسها احترام مشاعر المؤمنين أياً كانت ديانتهم ومعتقداتهم، وهي تدخل في القسم غير المعلن الذي يؤديه الإعلامي عند التخرج وقبل ممارسة عمله، وللأستاذ والباحث محمد الشرقاوي بحوث قيمة، أنصح بالرجوع إليها، في محاولة علمية منه لتشريح العلاقة بين الإعلام وجاذبية العنف، واستكشاف السبل الكفيلة بتسخير بعض التحولات النفسية والاجتماعية والبنيوية لقلب تلك العلاقة رأساً على عقب في محاولة لاستبدال عامل العنف بعامل السلام، وبناء عليه يسهل تحديث قواعد العمل الإعلامي وتجذير وعي إعلامي جديد في بعده السلمي بين مختلف المؤسسات المؤثرة في الأفراد والجماعات بدلاً من مجرد الانسياق وراء كاريكاتورات أو تغطيات إعلامية دون تفهم النسق الفكري الذي تعيش فيه المجتمعات... ولا غرو هنا أن العديد من وسائل الإعلام تخلق ازدواجية المعايير بنفسها عندما تنادي بسن القيم المهنية كـ"قاعدة" أو قانون أساسي ولكنها تطبق الاستثناء كقانون عرفي أي تجاهر بضرورة اتباع القاعدة أمام الملأ ولكنها تعمل في سر وفي صمت بمقتضى الاستثناء،"فلن تجد -حسب تعبير الزميل محمد الشرقاوي- خلافاً من الناحية النظرية بين أي رئيس تحرير عربي أو غربي حول الجدوى من التمسّك بتلك القيم المهنية. ولكن من العبث أن نفكّر أنّ التلويح بتلك القيم المهنية «المشتركة» قد يقنع محطة «فوكس نيوز» مثلاً ببث تقرير من «الجزيرة»، أو أن تقبل «البي بي سي» باستخدام مادة إخبارية من «العربية»، أو أن تتعاون قناة «العالم اليوم» مع قناة «فرانس 24» في إنتاج برامج مشتركة حتى ولو في إعداد برنامج وثائقي واحد، أو حتى مجرّد التفكير في تقارب ما بين قناة «يورو نيوز» وقناة «المنار». ولو كان لنا أن نتخيّل أنّنا نشاهد الآن ثلاث شاشات تلفزيونية إحداها لفوكس نيوز وأخرى للبي بي سي والثالثة للجزيرة حول حدث معين أو تصريح لمسؤول سياسي، فإنّ الصورة توضح طبيعة التباين سواء بين ما تحمله التغطية أو ما تخفيه من الفكر والقواعد "المهنية" التي يتشبّع بها مراسلو ومحرّرو كلّ محطّة على حدة. ويبدو لي أن تلك القواعد المهنية لم تعد قائمة بذاتها بمفهوم شامل بقدر ما أصبحت "خاصة" بكل محطة على حدة بعد أن كبر شبح الإرهاب وتم تكريس مفهوم العدو الجديد بعد الحادي عشر من سبتمبر، وتجندت أغلب المؤسسات الإعلامية للتبشير بمشروعات سياسية وعقائدية معينة ضمن حرب باردة من طراز جديد". ومدير تحرير المجلة الفرنسية الساخرة يعيش تحت حماية عناصر الشرطة منذ عام أو أكثر بسبب إساءته وإساءة مجلته المتتالية للإسلام، وهو مبتعد كل الابتعاد عن قواعد "الموضوعية" و"الحياد" و"التوازن" و"الصفة الإنسانية" الضرورية في مهنته... والمشكل، كل المشكل، أن الإعلام اليوم لا يخضع للقوة الرسمية "أي الدولة" كما كان في السابق ولكن من مصلحته أن يرتبط بمصلحة الرأي العام والإنسانية وأن ينظر عن قرب إلى كل الأطراف وإلا فإن البشرية ستسير إلى ما لا يمكن أن تحمد عقباه.