هل يزعم البعض في البلدان التي شهدت تغييراً أن من حق أي كان أن يفرض فكره على الآخرين، أو أن يضع رأيه في خانة الصحيح المطلق وأداء غيره خطأ مطلق؟! هل يحسب البعض هناك أنهم بادعائهم على الشعوب المطالبة بالحرية بأنها شعوب لا تملك أدنى رؤية عقلانية مستقبلية، يسلبون هذه الشعوب حقوقها بالحرية الكاملة في اختيار أسلوب معيشتهم؟ هؤلاء الذين يرفضون رغبات الشعوب، هم ذاتهم من يكنون كل التقدير لشعوب الغرب ويقدِّرون رؤاهم، ويكنون لهم إعجاباً منقطع النظير، والسبب أن شعوب الغرب عرفت مطالبها. هذه الشعوب الغربية ذاتها عانت الأمرِّين من سطوة رجال الدين وكانت عصور الظلام عصور قهر وغضب وسجون مشرعة الأبواب لكل من يخالفهم في رأي حتى لو كان علمي ويثير التساؤل. شعوب الغرب كانت لديها ثورتها العارمة التي أودت بسطوة الكنيسة، وأطاحت بالطغاة من رجالاتها، وصار الأمر كله بيد الشعب الذي سئم من ظلمة الرأي الواحد الذي يدور حول مصالح طغمة فاسدة لا أكثر من ذلك. تتشابه الشعوب في مطالبها، وفي أحقيتها في الحرية وفي احترام السلطة لها، وفي حقيقة أن على النظام السياسي أن يقدر مطالب شعبه ويحققها بقدر استطاعته، وأن يعلنها صراحة وشفافية لا تحتمل التأويل. لذلك عندما يرصد البعض ما جرى بعد الثورة الليبية أو التونسية أو المصرية، ويقول إنها سرقت الأمن والأمان من المواطنين فأنه يركز على ما يجري دون الإشارة إلى الأسباب، فأي أمان كان في أنظمة قمعية يخاف فيها الفرد، من أن يعبر عن رأيه في مجرد قرار أو في موظف حكومي؟ وأي استقرار هذا الذي تم فقدانه في البلدان التي شهدت تغييراً واسعاً، والشعوب فيها كانت تئن من وطأة الفساد وسرقة ونهب لمقدراتها واستيلاء مجموعة من الفسدة على مقدرات البلاد، وكأن الشعب بلا أدنى حقوق؟ يبدو أن التغيير في تلك البلدان كان انعكاساً لإرادة شعبية، يصعب أن يتم التدخل فيها، أو القول إن الصالح العام في هذه البلدان كان يقتضي سيناريو غير هذا الذي حدث، فالتاريخ يقول إن التغيير يطمح من يسعى إليه إلى انتاج أنظمة عادلة، تستطيع أن تحقق مطالب شعوبها وتتساوى فيها الفرص، حتى وإنْ كانت دولاً بلا موارد. ما حدث في هذه البلدان مفاده أن قليل الفساد أو كثرته خيانه للأوطان، وتآمر على نظم اجتماعية راسخة، وتعزيز لمفهوم الظلم والتآمر ضد شعب أعزل إلا من إرادته الحرة. هذه الأسباب هي الشرارة ذاتها التي اشتعلت في سوريا، حتى وصلت كوابيس الفساد إلى اللارجعة، حيت يتهالك الشعب فقراً وفاقة، وتنامت ثروات الفساد وأشخاصه الممثلين عن كل مبادئ الوطنية والأخلاق. أسباب الثورات التي شهدتها بعض البلدان العربية، هي الأخطار الفادحة التي أشعلت فتيل الغضب، والتي تركزت دائماً حول نهب المال العام، وفساد الذمم وتجاهل أن للشعوب قلوباً ترى وتبصر وتقرر ولو بعد حين.