تشكل حرب العراق واحتلاله نقطة تحول استراتيجية وضعت المنطقة العربية والعالم عامة أمام حقبة جديدة لها احتمالاتها الخاصة، سواء فيما يتعلق باتجاهات الوضع الداخلي للعراق ذاته، أو فيما يتصل بالخطط الكبرى الرامية إلى إعادة ترتيب المنطقة. تلك الاحتمالات وهذه الترتيبات وما نتج عنهما من تبدلات جديدة في دوائر مختلفة، هي الموضوع الذي يتناوله كتاب "الآثار والنتائج السياسية والاقتصادية لاحتلال العراق ومستقبله"، وذلك في مساحة بلغت 340 صفحة، وفي تقسيم اشتمل على أربعة محاور هي دراسات تحليلية مطولة، ينطلق أولها وعنوانه "الأهمية الاستراتيجية لاحتلال العراق ومستقبله" من تحديد المفهوم الأميركي لما يجب أن يكون عليه الوضع السياسي والاستراتيجي للشرق الأوسط، ويعود إلى تصريح لوزير الخارجية الأميركي الأسبق الكسندر هيج الذي أعلن مع بداية الاجتياح الإسرائيلي للبنان في يونيو 1982، أن "الأوان قد حان لتحقيق الإجماع الاستراتيجي في المنطقة"، ويعني بذلك "دخول جميع الدول العربية تحت المظلة الأميركية، وتغيير بناها الداخلية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وربما جغرافياً، بما يتلاءم مع رؤية ومصالح أميركا وحليفتها إسرائيل". وعن شروط ذلك "الإجماع" في الظرف الحالي يذكر الكتاب أن من أهمها: استكمال عملية السلام مع الفلسطينيين وفق خطة "خريطة الطريق" الأميركية، والوصول إلى اتفاقي سلام كاملين مع كل من سوريا ولبنان، وقيام "الشرق الأوسط الجديد" بملامحه التي رسمها شيمون بيريز وأكدت عليه الإدارات الأميركية المتعاقبة في تعبيرات وصلت ذروتها مع تصريح شهير لكولن باول عقب غزو العراق.
أما عن مستقبل العراق فيتوقف، من وجهة النظر ذاتها، على مجموعة من العوامل أهمها؛ مدى انسجام الأهداف بين أطراف ثلاثة هي أميركا وبريطانيا وإسرائيل، ومصير "خريطة الطريق"، ومستقبل كل من سوريا وإيران ولبنان في ظل الضغوط والتهديدات الأميركية والإسرائيلية، ثم قدرة الشعب العراقي على توحيد صفوفه وتعبئة قواه، وأخيراً تطورات الموقف العربي من احتلال العراق والقضية الفلسطينية على ضوء الموقف الأميركي. وانطلاقاً من ذلك تتوقع الدراسة الأولى في الكتاب وجود عقبات كثيرة قد تواجه أطراف الاحتلال في العراق، كما أن "إصرار الولايات المتحدة على تحويل المنطقة قاعدة استراتيجية كبرى" على حدود الصين وروسيا وتخوم أوروبا والهند، سيحمل "مخاطر كبيرة" على السلام والأمن الدوليين.
ويبدأ المحور الثاني من محاور الكتاب حول "آثار احتلال العراق على النظام العربي"، بالقول إن ذلك النظام يقف على أعتاب "خاتمة طريق"، فهو في أسسه ومقوماته الجوهرية يتعرض لتحديات جدية؛ بعضها يتصل بعقيدة النظام القومية ومصادر الشرعية فيه، وبعضها يتصل بالحكام والمحكومين، وبعضها الآخر بالعلاقات العربية- العربية. كما أن مشروعات مثل "الشرق أوسطية" والأورومتوسطية" واتفاقات التجارة الحرة وبرامج التصحيح الهيكلي، كلها تهدف إلى الحيلولة دون قيام تكامل اقتصادي وسياسي عربي وإلى تفكيك النظام العربي وتعميق أزماته وتمزقاته. لكن وجود "ظاهرة صدام حسين" كان من شأنه أن يهيئ فرصة لكل المشاريع التي دفعت بالنظام العربي مسافة كبيرة نحو نهايته! وكما تؤكد ذلك تجارب الفشل المزلزلة التي تعرض لها النظام العربي طوال العقود الثلاثة الماضية، فإن أكبر تحدٍّ يواجهه هذا النظام إنما هو تحدي الانفراط من الداخل، أي تحدي الوجود الذي فرضه احتلال العراق على النظام العربي برمته: أن يكون أو لا يكون!
و"من دروس النكبة العراقية" في المحور الثالث، يتوقف الكتاب عند "عقم السلطة الاستبدادية"، أي العجز الذي يفسر سقوط بغداد السريع تحت أقدام الغزاة، بينما في المقابل استطاع مخيم جنين ذو البيوت المتصدعة أن يصمد صموداً أسطورياً أمام آلة القتل الإسرائيلية الفتاكة. أما الدرس الثاني فيتعلق بالدور "السياسي" لبعض النخب القادمة على دبابات الأجنبي، إضافة إلى درس "خطر قمع الهوية" إذ اعتقدت السلطة ذات الأيديولوجيا القومية أنها بقمع الهويات الجزئية ستخلق شروط انتصار الهوية القومية العربية. أما "تجربة البعث" فتمثل بحد ذاتها درساً مأساوياً آخر، سواء بالنسبة إلى العراق أو إلى "البعث" نفسه. كما يرى درس آخر أن العرب يمثلون "موضوع صراع عالمي"، بل يذهب درس آخر أيضاً إلى أن حرب العراق الأخيرة هي "حرب أميركية على مستوى العالم". ويتضح من مغزى الدرس الثامن حول "همجية الرعاع" أن 28 مليون شخص تراكم حقد عميق بداخلهم ضد سلطة مستبدة، يمكن أن يتحولوا إلى كائنات "لا إنسانية" حين يجدون أنفسهم فجأة بلا سلطة رادعة، وذلك يؤكد أهمية الدرس الأخير "في ضرورة قيام الدولة الوطنية الديمقراطية".
ويتعرض المحور الرابع والأخير إلى "الأسباب المستترة للحرب ضد العراق والتداعيات الاقتصادية لاحتلاله"، ويناقش استراتيجية الأمن القومي الأميركي المستندة إلى مفهوم القوة الوحيدة في العالم، أي نظام عالمي وحيد يجب فرضه بقوة السلاح، وهو النظام الذي تبلورت صياغته