الحديث لا ينقطع عن التعليم ومشكلاته وأزماته. وكثيراً ما نسمع أو نقرأ أن دولاً وصلت إلى قمة التقدم الصناعي والتكنولوجي مثل أميركا وأوروبا واليابان لا تكتفي بما وصلت إليه، بل إنها تصرح قائلة إنها في أزمة وإن تعليمها في خطر وتعقد المؤتمرات والندوات. ويتحدث المسؤولون عن التعليم بكل صراحة ووضوح عن أزمة واشكاليات وأن التعليم لا يوفر القدر الكافي للحفاظ على المرحلة الحضارية التي وصلوا إليها. بل إن صحافتهم لا تتوقف عن الحديث عن مشكلات التعليم والإشارة بأصابع الاتهام إلى قيادات التربية ويصل الأمر إلى إقالة وزير التربية. وكل ذلك بهدف الحفاظ على إنجازات الدولة وما وصلت إليه من تقدم. وعدم السماح لبعض القيادات التعليمية بالعبث بإنجازات التعليم الكبيرة التي بناها المجتمع بأكمله على مدى أجيال.
الإشكالية عندنا تختلف تماماً حيث إننا لا نريد أن نعترف بأن تعليمنا يواجه أزمة، ونكتفي بالتقارير الوردية التي تصور لنا على أننا في قمة النجاح وأننا نقوم بإنجازات خيالية غير مسبوقة في تطوير التعليم، بل إننا كثيراً ما نحاول أن نبالغ في وصف الحالة التعليمية على أنها حالة جيدة وهي بخير وأن كل شيء على ما يرام. ويا ويل من ينتقد أو يصرح بوجهة نظر مختلفة ويقول إن هناك أزمة حقيقية في التعليم، فإنه يعتبر من الأعداء، شخص انفعالي معارفه التربوية سطحية، وأن كل ما يقوله هو عبارة عن تشويش لحالة النجاح الموهوم في العملية التعليمية. حدث هذا في أزمة الإعلام مع التربية وحدث أيضاً مع بعض الأصوات المخالفة داخل المؤسسة التربوية وخارجها، وهذا في تصوري غاية في الخطورة على سياسة التعليم، حيث إن سياسة التعليم في المرحلة الحالية تتطلب حالة من النقد خاصة في ظل الأطروحات والمشاريع العديدة التي تتضمنها استراتيجية التعليم القادمة ولا توجد وسيلة للارتقاء والكشف عن الأخطاء والنواقص والعيوب أفضل من النقد. والنقد في حقيقته ليس كما يتصوره البعض أو يصوره على أنه مجرد تعرية للعيوب أو حقد مبالغ فيه أو أنه نوع من الهجوم المقصود، بل هو ممارسة تنموية غاية في الأهمية، ومسلك حضاري وثقافي مهم في طريق الارتقاء والتقدم، وهو دليل قاطع على عمق الصلة والإخلاص والمحبة بين الناقد وما ينقده. وحتى تنجح مسيرة التعليم فلابد من النقد المستمر. وإذا أردنا أن نكون صريحين أكثر مع سياسة التعليم فإن نقطة البداية الصحيحة في موضوع الإصلاح هي أن نترك العبث بالأرقام، أعداد الداخلين والخارجين من المدرسين والمدارس الجاهزة والكتب الجاهزة التي يعلن عنها في بداية كل عام دراسي أو نظرية "الكنس الطلابي" التي نمارسها كل عام لزيادة أعداد الناجحين في الثانوية العامة أو قائمة أوائل الثانوية العامة التي نعلن عنها في نهاية كل عام كمؤشر لقياس نجاح العملية التعليمية والتي في تصوري لا تمثل جوهر المشكلة أو القياس الحقيقي لنجاح فاعلية عملية التعليم.
البداية الصحيحة هي أن نبتعد كلياً عن "مدح الذات" وأن نعترف بصراحة أننا في أول الطريق وأن هناك إشكالية في التعليم. هناك تقصير وخلل في منظومة القيادة الإدارية وهناك دراسات عديدة أشارت إلى مشكلات عديدة، منها مثلاً مشكلة التسرب المتضخمة والخسائر المادية الناتجة عنها ومشكلة ضعف مخرجات التعليم التي تحتاج إلى تأهيل مستمر من الجامعات ومن سوق العمل، وعدم الرضا عن بعض ما يطرح من مشاريع في الساحة التربوية. وهنا ما هو أهم، وهو أن مناهجنا حتى الآن غير قادرة على تشجيع التفكير وإدخال عقل الطالب الإماراتي في تحديات فكرية أو تنمية التفكير المنهجي والإبداعي والنقد العقلاني. حيث إنها لا زالت رغم الجهود التي تبذل في هذا المجال، تصر على تقديس التربية "التلقينية" واعتماد التلقين والاستذكار بديلاً عن التعليم الإبداعي والتفكير الابتكاري. لا توجد خطة واضحة لإقناع الرأي العام بتميز المدارس الحكومية عن الخاصة ووقف نزيف الهجرة المعاكسة من التعليم الحكومي إلى الخاص. وحجة قلة الميزانية ليست سبباً حيث إن هناك دولا أفريقية وآسيوية صغيرة وفقيرة حققت بربع ميزانية التعليم التي نملكها نجاحاً مذهلاً، بل إن مدارسها صنعت المكتشفين والمخترعين والأبطال العالميين.
الخلاصة هي أنه إذا لم يكن هناك نقد جاد ومستمر على مستوى الرأي العام لاستراتيجية التعليم، فإن هذه الاستراتيجية لن تختلف من حيث الجوهر والنتيجة عن قراءة الفنجان أو الكف أو الحظ.