ردات فعل المسلمين في العالم تجاه الفيلم الهابط الذي أُنتج في الولايات المتحدة الأميركية، متوقعة وليست مستغربة، خصوصاً أن الإساءة ليست الأولى كما يبدو أنها لن تكون الأخيرة، والأمر الآخر الذي يجعلها ليست مستغربة هو أن من يحتجون ومن هم صامتون أيضاً لا يمتلكون رؤية واضحة للتعامل مع الإساءات وتكرارها! والسؤال المهم هو: هل ستكون ردة فعل المسلمين والمؤمنين ومن يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم متكررة ومتشابهة في كل مرة... فيخرجون للمظاهرات والاحتجاجات وحرق الأعلام والاعتداء على السفارات الأجنبية التي لها علاقة بالمشكلة والتي لا علاقة لها؟! هذه المرة تطورت الأمور بشكل دراماتيكي مؤسف بقتل السفير الأميركي في ليبيا، ليدفع بذلك ثمن ذنب لم يقترفه وربما لم يكن ليقبله... لكن لأن الأمور تسير وفق منطق ردات الأفعال العشوائية، فقد كانت هذه هي النتيجة. مشكلتنا المزمنة أننا عندما نواجه معضلة لا ننظر إلى الأمام بل نركز النظر إلى الوراء فنخسر المزيد؟ كل ردود الأفعال ضد الفيلم لم تكن ذات جدوى حقيقية، حتى تلك السلمية منها والتي تبدو أنها متحضرة... فالرسالة الواضحة الوحيدة القوية التي اتضحت من ردود أفعال المسلمين هي أنهم مستعدون أن يحرقوا الأخضر واليابس إذا ما أساء أحد لدينهم أو نبيهم عليه أفضل السلام، بل هم مستعدون للتضحية بأرواحهم في سبيل ذلك، حيث قتل العديد من المحتجين في تلك الهبّات الغاضبة... وهذا ما أرعب بعض الحكومات الغربية. لكن باقي ردود الأفعال كانت ضعيفة في الشكل والمضمون، فبين من يريد أن يقاطع شركات غربية، ومن يعلن النية لإنتاج فيلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم... كلها ردود أفعال "تجارية" من أجل تحقيق مصالح أيديولوجية. فأي فيلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم سنواجه به فيلم "براءة المسلمين" الذي أقل ما يوصف به أنه "سخيف وساذج"؟! لا أحد يختلف على عظمة محمد عليه السلام، حتى من لا يحبونه يعترفون بأنه أعظم رجال التاريخ البشري.. والبعض يريد إصدار كتب وآخرون أنشأوا مواقع إلكترونية للدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهم من أطلق قنوات فضائية من أجل ذلك... والرسول صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى دفاع أي أحد منا فقد وضعه الله تعالى في أعلى مكانة بين البشر، وكل ما يجب علينا حياله هو السير على نهجه وهديه. جميع أولئك الغاضبين بحاجة إلى أن يعرفوا أن منع الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم وإيقاف الهجوم على الإسلام، إنما يكون بفعلين اثنين -وليس بردي فعل- الأول هو التحلي بأخلاقه صلى الله عليه وسلم والسير على نهجه وسنته والالتزام بتعاليم الإسلام الحنيف، والفعل الآخر هو العمل علي إيجاد قانون في الدول العربية والإسلامية وفي القانون الدولي يجرم الإساءة إلى الأديان جميعاً بما فيها الإسلام... فلا نسمح لأحد أن يتطاول على ديننا ولا نقبل أن يتطاول أحد من المسلمين على أديان الآخرين "فلكم دينكم ولي دين". دعوات عاقلة وعملية كثيرة أطلقت في هذا المجال، ومنها دعوة وزير خارجية الإمارات سموالشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان لمجلس الأمن والدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، إلى ضرورة العمل على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية جميع الأديان من التشهير، حتى لا تكرر أعمال العنف والتطرف كردة فعل تشهدها المنطقة. فمثل هذه الدعوات تعتبر خطوة مهمة وضرورية من أجل العمل على عدم تكرار هذه الإساءات، خصوصاً أنه أصبح من الملاحظ ومن مختلف الطوائف التعمد في الإساءة إلى الأديان الأخرى والتعدي على المقدسات، وهذا أمر لا يخدم إلا المتطرفين والمتشددين في كلا الجهتين من كل صراع، والذين لا يقبلون بالآخر ويستخدمون كل الأساليب -ومنها الأساليب غير الأخلاقية- للإساءة إلى رموز واتباع الأديان الأخرى التي لا يتفقون معها. إدانة الأزهر الشريف للفيلم ليست كافية، فبما أن الأزهر هو الرمز الإسلامي الأبرز فيجب عليه أن يقوم بدور حقيقي ومنظم وممنهج من أجل تفادي مثل ردات الفعل التي شهدناها وما نزال نشهدها إلى اليوم فيما يخص هذا الفيلم، فجزء من ردات الفعل العنيفة هي بسبب عدم وجود مرجعية واضحة للناس يضبطون من خلالها ردة فعلهم وينظمون من خلالها مستوى فعلهم وبالتالي طريقة تعاملهم مع تلك الإساءات. دائماً هناك أشخاص يستطيعون التحكم في ردات أفعالهم، لكن هناك أشخاص لا يمكنهم ذلك، وهؤلاء بحاجة إلى مرجع معتدل، وإلا سقطوا تحت تأثير الأصوات المتطرفة التي تثيرهم بشكل لا يليق بصورة الإسلام الحنيف.