وصل الأخضر الإبراهيمي إلى دمشق للقيام بمهمته المتمثلة في إيجاد حل لأزمة سوريا. وإذا كنا نُرحِّب بهذه الزيارة، التي تأتي خصوصاً من رجل حكيم دفعت بلاده مليوناً ونصف المليون من أهلها ثمناً لانتصارها في ملحمة الاستقلال الوطني عن فرنسا، فإننا في الوقت نفسه نتمنى أن يكون قد بحث قبل ذلك (وكذلك بسياقه) في ما سبق تاريخ هذه الثورة (أو الانتفاضة السورية)، فإن ذلك يسهم في فتح الطريق أمام فهم الظاهرة المذكورة تاريخياً وعلى نحو دقيق، بعيداً عن الاكتفاء بتناول الجانب الدبلوماسي منها أو العسكري الأمني...إلخ. فالبحث في تجليات القطاعات الأربعة من المجتمع السوري على امتداد العقود الأربعة المنصرمة، أمر على غاية الأهمية النظرية والمنهجية. لأن ناتج هذا البحث من الصعب أن يكون دقيقاً، إنْ جاء غير ذي علاقة بتلك القطاعات، بمثابتها شبكة موحدة بالمعنى الذي يُفضي إلى ما وضعنا يدنا عليه تحت "قانون الاستبداد الرباعي" القائم على الاستئثار بالسلطة والثروة والإعلام والمرجعية السيَّا-الاجتماعية، أي المبدأ القائل بأن الحزب الوحيد الحاكم، هو الذي يقود الدولة والمجتمع، وهو الذي يقف على رأسه "قائد المسيرة" إلى الأبد. وقد عزّز ذلك القانون الرباعي في سوريا وغيرها حضور المعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفييتي، الذي انتصر فيه على صعيد القيادة السياسية مفهوم "الحزب الواحد من طراز جديد" على حساب مفهوم الديمقراطية القائمة على قاعدة التعددية الحزبية وركيزتها المؤسَّسة البرلمانية. وقد تفكك الاتحاد السوفييتي بعد أن جرى اختزاله إلى الحزب القائد الوحيد واختزال هذا إلى اللجنة المركزية فيه، وهذه إلى المكتب السياسي، وهذا أخيراً إلى الأمين العام، الذي ظهر بمثابته "قائد المسيرة"، ومن الدلالات المأساوية على ذلك أن الاتحاد السوفييتي نفسه سقط، ولم يدافع عنه إلا قلة، بعد أن أتى كتجربة أولى في التاريخ الاقتصادي والسياسي الاجتماعي لتحرير المجتمعات من الاستغلال الاقتصادي والإفقار النفسي والأخلاقي وغيره. كان درساً غير مسبوق في أن المُثل العليا إنْ أتت مجردة من الحريات الديمقراطية السياسية والثقافية وغيرها، فإنها تفقد شيئاً فشيئاً رُواءها ومصداقيتها فيما يخص الحرية والديمقراطية القائمتين على التعددية الحقيقية. لقد أخذ النظام السوري بالتجربة السوفييتية شكلياً وبعموم الموقف في بداية مرحلة البناء، ولم يتعظ من سقوطه المدوي، فهنا جاءت المعاندة التاريخية والقصور المعرفي، ضارباً عرض الحائط بتجارب البشر التاريخية، وبالتطور العلمي السوسيولوجي والتاريخي، بدءاً مما قبل ابن خلدون في "مقدمته" الخالدة، ثم في التطور العاصف للعلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السياسية منذ عصر النهضة والتنوير والنهوض التكنولوجي...إلخ، في أوروبا الحديثة، ولكن شيئاً من ذلك لم يؤثر في مسلك النظام السوري باتجاه الإصلاح الوطني الديمقراطي والتحديث العلمي والدخول في عصر البشرية التقدمية الجديد. ولعلنا هنا نوجه نقداً لما حدث على الصعيد الجامعي خصوصاً، إضافة إلى الصُعُد المتصلة بالبحث العلمي وبمراكزه التي ظهرت خالية من القيمة العلمية، لأنها ظلت شكلية يُشغلها أي واحد لا علم له ولا يحمل منظومة قيمية أخلاقية. إن تجفيف المجتمع السوري تحول إلى عملية قاتلة، (وقد كتبنا عن ذلك مطولاً منذ ثلاثة عقود ونيف كتاباً صدر في سوريا بعنوان: من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني، وغيره). لقد غابت الحكمة والعقلانية، والوطنية عند الكثيرين، ممّا خلق شرخاً هائلاً بين الخطاب الأمني دون السياسي، وبين الممارسة الواقعية التي جعلت الإصلاح الديمقراطي يظهر هزيلاً وزائفاً وعاراً. إن تلك مأساة عظمى، خصوصاً حين تحولت إلى كارثة في سوريا الجميلة الجريحة، ولنقل إن من يتَّعظ متأخراً، قد يُسامح، ولكن إن لم يحدث ذلك؟