ذكرتُ منذ بدء الأزمة السورية، وعندما بات واضحاً أن الرئيس السوري بشار الأسد لن ينفذ برنامج التغيير، أن التدخل العسكري الغربي في سوريا، اعتماداً على تركيا، احتمال ليس وارد الحدوث. وكانت النقاط التي أُثيرت حول هذه القضية مألوفة، حيث إن أميركا مشغولة لحد كبير بانتخاباتها الرئاسية، بينما أوروبا غارقة في هموم الديون التي أثقلت كاهلها. كما أرهقت مشاكل أفغانستان دول "حلف الناتو" التي عانت من جولات خفض تكاليف الدفاع المتعاقبة. وحتى في ما يتعلق بالقضية الليبية، لم تكن العديد من دول "الناتو"، بما فيها ألمانيا، ترغب في التدخل في بداية الأمر. لكن الحال تغير وبدأت لهجة التدخل العسكري في الارتفاع، الأمر الذي ربما لا تجد الدول صعوبة في تبريره. وبدأ الإعلان عن الجرائم العالمية ومواقعها التي تتضمن قصف المدنيين واستخدام الطائرات المروحية المحملة بالمدافع، يتم بصورة شهرية متواصلة. وبلغ عدد ضحايا الحرب منذ بدايتها في مارس 2011، أكثر من 20 ألف قتيل، كما أصبحت الآن كل من دمشق وحلب ضمن أرض المعركة وستظلان كذلك. وهناك أزمة لجوء مستمرة ومتفاقمة إلى دول الجوار، بينما بلغ عدد اللاجئين في تركيا نحو 100 ألف حتى الآن. وسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوجان، إلى الحفاظ على الاستقرار في سوريا، مطالباً الرئيس الأسد بالتفاوض مع معارضيه، الشيء الذي لم يحدث وليس من المتوقع أن يحدث. وبدلاً عن ذلك، قيل إن سوريا قامت بتحويل كميات من الأسلحة الكيماوية إلى الحدود مع تركيا، بالإضافة إلى إسقاط طائرة تركية من طراز "فانتوم آر أف 4"، ودعم الميليشيا الكردية. وسارعت تركيا خلال الصيف إلى حشد ست من طائراتها في تحذير لمروحية عسكرية سورية. ومن المؤكد وفي حالة قيام سوريا بإسقاط طائرة أخرى، أن تركيا لن تتردد في اتخاذ الرد العسكري المناسب. وقد أعلنت كل من أميركا وبريطانيا وفرنسا رسمياً عدم استبعاد خيار التدخل العسكري. ويجدر بالذكر أن الرئيس الأميركي باراك أوباما، تربطه علاقات وطيدة مع الرئيس التركي، وأنهما على اتصال دائم في ما يتعلق بهذه القضية. وتُعد تركيا من الدول التي تمارس الديمقراطية في ما يخص قيام المشاريع وحرية التعبير. وجاء على لسان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن: "ننظر إلى تركيا باعتبارها المدخل والرابط بين الشرق والغرب، بيد أنها تملك نفوذاً قوياً لا يمكن إغفاله". وتطمح تركيا إلى شراء طائرات عسكرية وطائرات بدون طيار من أميركا. كما أن حالة عدم الاستقرار الأمني التي تسود بعض دول الشرق الأوسط والتهديد النووي من طرف إيران، عوامل تزيد من توطيد العلاقات التركية الأميركية. وترغب الدول الغربية في التدخل فقط لمساعدة تركيا كعضو في منظومة دول حلف "الناتو". هذا، وربما تقود الحرب الدائرة في مدينة حلب، والتي لا تبعد سوى 30 ميلاً من الحدود التركية، إلى تدفق مزيد من اللاجئين السوريين إلى تركيا. كما أن نفس النتيجة متوقعة في حالة حدوث مجزرة على نطاق واسع في سوريا. وتكمن الفكرة في خلق ممر إنساني على طول الحدود، من قبيل المنطقة المحمية التي تم توفيرها للأكراد في شمال العراق عام 1991. وتملك تركيا قوات مميزة في المنطقة يبلغ قوامها نحو 500 ألف جندي وآليات من تلك التي بحوزة دول "الناتو". ووقّعت كل من تركيا وسوريا في عام 1998، على اتفاقية "أدانا" التي يتم بموجبها السماح لتركيا وللحفاظ على أمنها واستقرارها، استخدام القوة العسكرية في سوريا مما يُضفي على مثل هذا التدخل الصبغة الإنسانية. ويرى رد الفعل الرسمي لنظام الأسد أن فكرة مثل هذا الممر الإنساني غير واقعية. ومن المعروف أن مفاوضات جادة جرت بين أميركا وتركيا حول قيام ذلك الممر المقترح. ووفقاً لأحد رؤساء الوزراء السابقين في سوريا، فإن نحو 30 في المئة فقط من البلاد هو ما يقع تحت سيطرة النظام السوري. وفي هذا الخصوص علّقت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، قائلة :"يترتب علينا المزيد من العمل اللصيق مع المعارضة، بينما يفقد النظام يوماً بعد يوم المزيد من المناطق، مما يسفر في النهاية عن وجود ملاذ آمن داخل سوريا". وتقوم وسائل الإعلام الأميركية بتغطية شاملة لما يجري في سوريا، حيث طالب في نهاية يوليو الماضي 60 من خبراء الشؤون الخارجية، بعضهم قريب من ميت رومني، وباسم الحرية السياسية، الرئيس الأميركي بالعمل مع الشركاء الإقليميين بغية إنشاء مناطق آمنة تخضع للمراقبة الجوية الدولية لتغطية المناطق المحررة داخل سوريا. وتعتبر مسألة المراقبة الجوية فوق مناطق آمنة محددة، من القضايا الهامة، خاصة وأن سوريا تملك نظاماً مضاداً للطائرات يتميز بالقوة والجودة، إضافة إلى الصواريخ التي اشترتها من روسيا، رغم أن ذلك كان قبل سنوات طويلة. وحتى تكون دول "الناتو" مستعدة لتحمل مسؤولية جديدة، ينبغي عليها امتلاك أحدث الأسلحة التي تمكنها من دك حصون الدفاعات الجوية السورية. وفي عام 1999، تمكنت دول "الناتو"، من الهجوم على صربيا التي كان يحكمها آنذاك ميلوسوفيتش، الذي رفض الامتثال لقرارات مجلس الأمن. ويتطلب الهجوم الجوي على سوريا دعماً قوياً من جامعة الدول العربية، حيث يحتمل، وكما حدث في ليبيا، أن تتعرض مجاميع "الجيش السوري الحر"، لهجمات ساحقة. ومن وجهة نظري الخاصة، فإن التدخل أصبح خياراً أفضل بكثير من عدمه، رغم المخاطر الكبيرة التي تحيط بكلا الخيارين.