خلال المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الذي عقد مؤخراً في تامبا، بولاية فلوريدا، اتخذ حاكم ولاية نيوجرسي، كريس كريستي، في الكلمة التي ألقاها بالمناسبة، موقفاً صارماً من تقليص الميزانية الفيدرالية الأميركية، حيث دعا الولايات المتحدة إلى أن تواجه الواقع وتقلص الإنفاق الحكومي بموازاة مع تقديم مزيد من الحوافز للشركات حتى تستثمر في القطاعات المحدثة للوظائف. كما أشار إلى بعض إنجازاته كحاكم لولاية نيوجرسي، خاصة توصله إلى اتفاقات مع الديمقراطيين في برلمان الولاية حول إصلاح معاشات الولاية والنظام التعليمي. إلا أنه لم يشر إلى أهم قرار اتخذه بشأن ميزانية نيوجرسي، وأقصد بذلك تعليق المساهمة الكبيرة من جانب الولاية في تمويل مشروع نفق تحت نهر هادسون، تتراوح قيمة تكلفته ما بين 10 و15 مليار دولار، وذلك من أجل تخفيف الضغط المتزايد على النقل الجماعي في منطقة نيويورك الكبرى! غير أنه عبر اتخاذه ذلك القرار، يكون كريستي قد قتل المشروع فعلياً. وربما يكون ذلك قد وفّر مالاً كثيراً، إلا أنه في الوقت نفسه حال كذلك دون خلق آلاف الوظائف في قطاع البناء، كما قلّص الفرص الاقتصادية، وزاد من تفاقم حالة الفوضى القائمة، وما ينجم عنها من تكلفة تتسبب فيها التأخيرات المرورية عبر المنطقة. وعلى النقيض من قرار الحاكم كريستي، والقاضي بوقف مشروع مهم من مشاريع البنية التحتية، ضغط الحاكم الديمقراطي لولاية كاليفورنيا جيري براون بقوة في اتجاه اعتماد مخططات لبناء نظام قطارات فائقة السرعة من المنتظر أن يربط في الأخير مدينة سان دييجو بمدينتي لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو، وأن يقلص بشكل مهم زمن السفر بين هذه المدن الكبيرة. ومن بين أسباب استعداد براون للمضي قدماً في هذا المشروع، أن هناك مساهمة متوقعة قدرها 3?3 مليار دولار من جانب الحكومة الفيدرالية لولايته قصد تشجيع تطوير القطارات فائقة السرعة في الولايات المتحدة. غير أن براون تعرض لانتقادات شديدة من بعض أعضاء الحزبين، الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، والذين جادلوا بأنه في وقت تسير فيه الولاية نحو الإفلاس، فإنها مجازفة كبرى ربط المال الفيدرالي بسندات الولاية، لاسيما أن المرحلة الأولى من خط القطارات، والذي لن ينتهي قبل عدة سنوات، سيتم إنشاؤه في مناطق من الولاية غير ذات كثافة سكانية كبيرة. غير أنه إذا قام براون بوقف التمويل الكاليفورني للمشروع، فإن التمويل الفيدرالي سيتم حجبه بشكل أتوماتيكي. هذان المثالان يُظهران الدور المهم الذي تلعبه البنية التحتية في النقاش السياسي الأميركي. وبشكل عام، فإن الديمقراطيين يجادلون بأن الاستثمار في البنى التحتية الجديدة ينبغي أن يأتي من المال الفيدرالي، وذلك لأن القطاع الخاص لن يتحمل أعباء الفاتورة بمفرده، وأن الاستثمار في البنية التحتية الحديثة أصبح في الوقت الحالي ضرورياً وأساسياً إذا ما أرادت الولايات المتحدة إنشاء اقتصاد قوي ومزدهر. غير أن المنتقدين يشيرون إلى التقدم المسجل على صعيد تطوير القطارات فائقة السرعة في أوروبا والصين واليابان وبلدان أخرى، وإلى أن الولايات المتحدة ستكون متأخرة في هذا المجال بثلاثة أو أربعة عقود عن تلك البلدان إذا بدأت مشاريعها الآن. أما بالنسبة للجمهوريين، فإن الأمر يتعلق بمال لا تملك أميركا ترف إنفاقه لأن عجز الميزانية مرتفع جداً. وهم يرون أنه يتعين على الولايات المتحدة أولاً أن تعمل على خلق وظائف عبر خفض الضرائب ومنح الشركات حوافز للاستثمار؛ ثم حين تكون ثمة عائدات أكبر، سيكون من الممكن للولايات، أو الحكومة الفيدرالية حينئذ التفكير في إنجاز مشاريع بذلك الحجم. ولئن كان هذا النقاش قد استأثر باهتمام كبير، فإنه لا يقتصر على الحياة السياسية الأميركية. ذلك أنه في الصين، مثلاً، يشير بعض من أشد المنتقدين إلى أن استثمار بلادهم الضخم في أكبر شبكة للقطارات فائقة السرعة في العالم، تم دون تفكير ملي في الربحية والجدوى الاقتصادية، وأن المشروع تم بأرخص الطرق وأسهلها من أجل إكماله بسرعة. وهو ما أدى إلى حادث عرف تغطية إعلامية مكثفة، يُعتقد أن سببه معدات بناء معيبة، نُسبت بدورها إلى الفساد. والواقع أن كل مشاريع البنى التحتية الكبرى، بما في ذلك الطرق والقنوات والمطارات وخطوط القطارات فائقة السرعة... تحتاج بالفعل إلى مبالغ ضخمة من الأموال مقدماً. والحال أنه من النادر جداً أن يتحمل القطاع الخاص بمفرده فاتورة إنجاز مثل تلك المشاريع الكبيرة. ولعل الاستثناء هنا هو قطاع النفط والغاز، وذلك نظراً لأن عائدات المنتجات التي يستخرجها تحقق له عائدات سريعة وأرباح وفيرة. ولذلك، فإن المشاريع الصعبة، من قبيل التنقيب عن النفط في القطب الشمالي. تمول إلى حد كبير بواسطة الأموال الخاصة، ولا تقوم الدولة سوى بتقديم المساعدة التي قد تتخذ شكل إعفاءات ضريبية. وحتى في هذه الحالة، فإن التكلفة تعتبر عاملاً مهماً. وعلى سبيل المثل، فإن شركة غازبروم الروسية العملاقة قررت تعليق مشروع ضخم لتطوير الغاز في القطب لشمالي بسبب النفقات الضخمة ومنافسة الإمدادات المتزايدة للغاز الصخري الأميركي. والواقع أن العديد من مشاريع البنية التحتية التي تبدو واعدة على الورق، تُترك في الأخير ولا يتم إكمالها. وهذه الظاهرة ليست جديدة، إنها تكلفة القيام بالمشاريع في العالم الحديث، شئنا ذلك أم أبينا. غير أن تلك المشاريع تكون أصعب بكثير إذا استمرت الخلافات السياسية بين بلدان ترغب في الاشتراك في مشروع من مشاريع البنية التحتية. وعلى سبيل المثل، فإن خط أنبوب الغاز الطبيعي بين إيران وباكستان والهند الذي طال انتظاره، والذي يعتبر مشروعاً مفيداً للبلدان الثلاثة، لن يرى النور قبل أن تتحسن علاقات إيران مع جيرانها، وتتضاءل إمكانية اندلاع حرب في الخليج وشبه القارة الهندية.