تخلى الرئيس محمد مرسي عن الحذر الذي التزمت به سياسة مصر الخارجية تجاه الأزمة السورية منذ اندلاع الانتفاضة في مارس 2011. وتضمنت كلمته أمام الدورة الـ138 للمجلس الوزاري لجامعة الدول العربية الأسبوع الماضي، موقفاً هو الأكثر وضوحاً من جانب مصر تجاه الأزمة السورية حتى الآن. فقد أعلن أن "الشعب السوري اتخذ قراره بإنهاء نظام الحكم"، وتنبأ بأن "هذا النظام لن يدوم طويلاً". وطالب رئيسه بأن يتنحى. لكنه لم يوضح كيفية تحقيق ذلك، ولم يطرح رؤية واضحة للتغيير في سوريا أو للبديل الممكن. كما لم يفصح عن تصوره لماهية هذا البديل. فهل هو بديل عن النظام كله أم عن رأسه. فلا إجابة حاسمة عن هذا السؤال في خطاب مرسي الذي يحتمل أن يكون التغيير مركزاً في رأس النظام الذي يدعوه إلى التنحي، أو يشمل مجمل هذا النظام الذي يقول إن الشعب السوري اتخذ قراره بشأنه. والفرق كبير، بل جوهري، بين تغيير في رأس النظام قد يُسترشد فيه بالتجربة اليمنية، وآخر يشمل النظام كله كما حدث في تونس وليبيا بطريقتين مختلفتين. لذلك يتطلب فهم ما يفكر فيه الرئيس المصري البحث عن تفسير لمراوحته بين حديث صريح عن إنهاء النظام وكلام يُبقي الباب مفتوحاً لتغيير في رأسه بالأساس من خلال تنحي بشار الأسد. وثمة تفسيران محتملان لهذه المراوحة يعبران عن اتجاهين مختلفين ليس فقط في مقاربة الأزمة السورية، ولكن أيضاً بشأن حدود التحول المحتمل في سياسة مصر الإقليمية الجديدة التي لا تزال في طور التشكل. ويبدو التفسير الأول أكثر انسجاماً مع الاتجاه العام لسياسة مصر الخارجية حتى الآن وما تنطوي عليه من حرص على توجيه رسائل تطمين إلى الجميع تقريباً، ما لم تكن هناك نية مبيتة لتغيير كبير فيها يبدأ في مرحلة لاحقة. فوفقاً لهذا التفسير، يمكن فهم حديث مرسي عن حل سياسي، وعن فرصة لا تزال قائمة لحقن الدماء، باعتباره مدخلاً إلى تحرك جدي انطلاقاً من مبادرته العامة التي دعا فيها إلى حوار بين مصر والسعودية وتركيا وإيران. لكن هذه المبادرة هي نقطة الضعف الأساسية في ذلك التفسير لأن فرص نجاحها تبدو معدومة تقريباً. فلا يحتاج الأمر إلى خبرة سياسية عميقة لتوقع صعوبة تفاهم الأطراف الأربعة لهذه المبادرة على حل سياسي لأن أحدها(إيران) يرى أن ما يحدث في سوريا ليس سوى مؤامرة خارجية وإرهاب داخلي، وأنه لا توجد بالتالي أزمة تستدعي البحث عن مثل هذا الحل، وأن نظام الأسد أجرى إصلاحات كافية ينبغي على المعارضة أن تتجاوب معها عبر حوار وطني. ولذلك يصعب الحديث عن تحرك جاد وعمل حقيقي بمشاركة إيران التي تعتبر أن شخص بشار الأسد، وليس فقط نظامه، يعتبر خطاً أحمر. ويعني ذلك أنه لا مجال لديها لأي حل حتى إذا اقتصر التغيير فيه على رأس النظام، أو أي تحرك حتى على نسق المبادرة الخليجية التي نجحت في معالجة الأزمة اليمنية. وهذا فضلاً عن أن المعارضة السورية ترفض حلاً من النوع الذي فتح الباب أمام انتقال السلطة من الرئيس اليمني إلى نائبه حتى إذا اختلف في كثير من تفاصيله وأدى إلى تغيير أوسع نطاقاً مما حدث في صنعاء وأكثر جذرية. كما أن بحار الدماء التي أريقت في سوريا أكثر وأعمق، لأن قمع الرئيس اليمني السابق للانتفاضة كان أقل قسوة بكثير. وتبدو معضلة هذا التفسير إذن في الافتراض الذي يقوم عليه، وهو أن الرئيس المصري يراهن على حل سياسي صعب وربما مستحيل. لكنه تفسير لا يخلو من منطق إذا نظرنا إليه باعتباره محاولة لإعطاء انطباع بأن مصر لم تعد ساكنة أو محكومة بمبدأ "لا تحرك حجراً قد يقع على قدمك"، بغض النظر عن مردود أي تحرك يمكن أن تقوم به. وربما يعتقد أن موقفاً مصرياً قوياً يمكن أن يمثل ضغطاً إضافياً على النظام السوري قد يدفع بعض أركانه إلى التضحية برئيسهم كما فعل قادة الجيش المصري يوم 11 فبراير 2011. وقد يراهن مرسى أيضاً على أن تحد إيران من غلواء موقفها أملاً في أن تفوز بجائزة إعادة العلاقات مع مصر، رغم إدراكه بأنه قد لا يستطيع منحها مثل هذه الجائزة في المدى القصير، لاعتبارات داخلية تتصل بعلاقة جماعته مع القوى السلفية، وليس فقط بسبب التوازنات الإقليمية والدولية التي يحرص عليها. لكن لأن هذا التفسير لا يساعد كثيراً في فهم حدود التغيير في سياسة مصر تجاه الأزمة السورية انطلاقاً من التحول الذي حدث في خطاب رئيسها، فليس ممكناً استبعاد تفسير ثان مؤداه أن مرسي يعتقد بقدرة المعارضة المسلحة على إسقاط نظام الأسد اعتماداً على الزيادة الملموسة التي حدثت أخيراً في الدعم العسكري الذي تتلقاه من دول تساندها. ويستند هذا التفسير الثاني أيضاً على التحول الكبير في موقف جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر باتجاه السماح لشبان ينتمون إليها بالسفر إلى سوريا للالتحاق بالمعارضة فيها. ورغم أن المعلومات الدقيقة عن سفر بعض شباب جماعة "الإخوان" إلى سوريا لا تزال محدودة، فهي تدل على تحول ملموس نحو مساندة مباشرة للمعارضة بوسائل غير عسكرية حتى الآن، مثل تقديم دعم في مجال الإعلام والتنظيم وبعض الأمور اللوجستية. ولذلك تبدو مساندة "الإخوان" للمعارضة السورية حتى الآن مختلفة عما تقدمه بعض الحركات السلفية المصرية التي ذهب بعض شبابها لـ"الجهاد" بمعناه المسلح. غير أن ثمة تحولاً واضحاً في معالجة جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر للأزمة السورية. ويفيد هذا التحول أنها تراهن على أن يكون للإسلاميين دور رئيس في النظام الجديد الذي سيحل محل نظام الأسد لكي يصل "الربيع الإسلامي" إلى المشرق العربي ويمثل محوراً ممتداً من الرباط إلى دمشق (باستثناء الجزائر) يؤسس لتغيير كبير في العلاقات الإقليمية. وربما يبدو في هذا التفسير شيء من المبالغة أو القفز على الواقع، لكنه يستمد أهميته من الضعف الماثل في سابقه الذي يقوم على سعي الرئيس المصري إلى حل سياسي. والحال أننا أمام تفسيرين ربما يكون في استبعاد أولهما نوع من التعسف رغم ضعف الافتراض الذي يقوم عليه، وقد يكون في إغفال ثانيهما شيء من الاستهانة بطموحات "الإخوان المسلمين" وتنظيماتهم في المنطقة، رغم أنه يبدو بعيداً في اللحظة الراهنة.