"إلى أن يحلّ الموت، كُلّها حياة". قال ذلك "دون كيخوته"، بطل رواية الكاتب الأسباني "سرفانتس". إضافة كلمة "جميلة" إلى هذه العبارة المأثورة تجعلها عنوان السيرة الذاتية للفنانة والكاتبة العراقية نهى الراضي، التي توفيت قبل أيام في بيروت. "إلى أن يحلّ الموت، كلّها حياة جميلة". فالرسم والنحت والخزف والطباعة الفنية، حتى الكتابة بالنسبة لنهى الراضي فقرات في مهرجان حياة يومية تمضي رغم أنف الحرب والمنفى، إذا صح التعبير. مهرجان يومي لحياة مبدعة ضد العسف والكذب والنفاق والحظر والنهب والخطف والقتل. كتابها "يوميات بغدادية"، الذي تـُرجم إلى كثير من اللغات، وجاء ضمن قوائم أفضل الكتب مبيعاً يبدو كسجل عائلي لتوافه الأحداث اليومية. الأمسيات البغدادية مع العائلة والأصدقاء، وولائم الشواء في الهواء الطلق، والاعتناء بالمزروعات والزهور، ومراقبة الطيور والنحل والفراشات، وملاحقة الأفاعي والفئران والحشرات المنزلية، ومشاحنات لا نهاية لها مع حريم كلبها الشقي "سلفادور دالي". أجل يحمل اسم الفنان السريالي المشهور، ويقيم مع نهى في بستان صغير شمال بغداد "فيه 66 نخلة و161 شجرة برتقال وفحول ثلاثة من النخيل- الذكور الوحيدون المقيمون"، بعد أن هرب العراقي. الجميع، إما إلى الخارج، أو إلى أعماق الريف إلى أن يحلّ الموت، كلّها حياة، وفي تسجيل تفاصيلها اليومية تكمن "عبقرية" نهى الراضي. فاليوميات التي شرعت بكتابتها في اليوم الثالث لحرب عام 1991 يراها المحرر الأدبي لصحيفة نيويورك تايمز:"تعهداً بالحفاظ على توافه الحياة اليومية في مواجهة 42 ليلة متواصلة من قصف الحلفاء". فن البقاء العراقي الجميل أنقذ نهى الراضي من تعاسة "عزيز قوم ذلّ". فهي امرأة موسرة ومثقفة، أبوها شغل منصب سفير العراق في الهند فترة 10 سنوات خلال العهد الملكي، وهي درست الفن ودرّسته في أرقى المعاهد الغربية والعربية، بينها ورشة الخزف المشهورة في "تشلسي" في لندن، والجامعة الأميركية في بيروت. و"يوميات بغدادية" التي كُتبت ونـُشرت أصلاً بالإنجليزية، تروي كيف أعادت الحرب نساء النخبة البغدادية المثقفة إلى "الحياة الفلاحية الشاقة جداً، حيث العمل لا يتوقف أبداً"، ووسائل العيش البدائية للطبخ وصناعة الخبز وزراعة الخضروات وحمل الماء بالدلاء من النهر، كل هذا "يكون أحياناً مصحوباً بقصف جوي وأحياناً أخرى لا يكون".
ومع أنه الكتاب الوحيد لنهى الراضي المعروفة عربياً وعالمياً بأعمالها في فن الخزف والنحت والرسم، أفردت لها "إنسكلوبيديا الأدب العالمي" أكثر من ألف كلمة تناولت "عفوية كتابتها الأخاذة والمزيج الفريد من روح النكتة والغضب والشفقة، التي تصور الناس وهم يحاولون التلاؤم مع حياة يومية محفوفة بالكوارث". وكتب المفكر العربي الراحل إدوارد سعيد كيف فتش "عن كتاب صادر حديثاً يصف العراق كبلد حقيقي، وليس كمجرد هدف استراتيجي للولايات المتحدة فلم يجد سوى هذا الكتاب الممتاز". وتحدث المحرر الأدبي لصحيفة "ذي إندبندت" البريطانية عن أسلوب الكاتبة الذي: يجمع بين العفوية اللامبالية والسحر والمرح، والكثير من روح النكتة "الشريرة".
والنكات في الكتاب تجعل الحزن مقبلات "مازة" نأكلها ولا تأكلنا، حسب تعبير الروائي اليوناني" كازانتزاكي". "مازة" حريفة، من نوع "هذا هو العراق العظيم. الأكراد يسمون الجنوب "شيعستان" والوسط "جوعستان" والشمال بالطبع "كردستان". وهي نكات غير مقصودة في الغالب، بل مجرد سرد واقعي للأحداث. تقرقر معدة ضيف، فتعلن أم البيت "إنها غارة جوية". وبعض النكات من نوع المضحك المفجع، كسرد حال عوائل عراقية عدة حفظت بالمجمدات المنزلية كميات كبيرة من الطعام تحسباً للحرب، واستهدفت الحرب أول ما استهدفت شبكات الطاقة الكهربائية. "علينا الآن أن نأكل كميات ضخمة من الطعام كيلا نرميه، ويعني هذا أننا نتغوط أكثر بكثير، وكله يتم في الحديقة، نسمّّدها ونوفر على أنفسنا بعض الماء، الذي لم يعد يجري من الصنابير".
وتخص الراضي نفسها بأمتع سخرية، كما في تعليقها على تصريحها للإذاعة البريطانية " بي بي سي" بأن "أميركا تغار منا لأننا أصحاب حضارة وهم لا حضارة لهم ولهذا السبب قصفوا مواقعنا الأثرية". وتستدرك:"حسناً من هو العاقل الذي يغار منا"؟ وتتهكم حتى ببلدها وقائده:"نحن بلد عالم ثالثي، معروفون بأنه ليس لدينا الكثير من رجاحة العقل"، و"قائدنا حي ومعافى- وربما لا، لا نعرف، نحن نعيش في فيلم هندي، أو فيلم "الحفلة"، حيث الممثل الكوميدي البريطاني بيتر سيلر يرفض أن يموت، وينهض على قدميه المرة تلو الأخرى، ونفخة أخيرة أخرى في البوق".
والنكتة تميز حتى أعمال نحتية رئيسية لنهى الراضي، كالنصب الذي صنعته من أنابيب وقطع غيار السيارات. أطلقت عليه اسم "مخلوق الدمار الشامل"، وعرضته خلال زيارة "رالف أكيوس"، مبعوث الأمم المتحدة آنذاك للتفتيش على أسلحة الدمار الشامل. ومع أنه كتاب عن حرب 1991 والحظر الطويل، الذي أعقبها فإنه نذير بالجيشان، الذي سيعقب حرب عام 2003. ذكرت ذلك