ثمة ثلاث مناطق مستقلة تحيط بالعالم العربي، وهى تعنية - أولاً تعنيه- بقدر رغبة بعض"القوى" العربية في الوجود"العالمي"، وإنْ كان الأمر بات لايتعلق بأحلام الرغبة أو متطلباتها، وإنما بمدى الشعور بالأمان الذاتي، أوما يُسمى الآن بالأمن القومي في منطقة محاطة بكل هذه التوترات أيضاً. ويعتبر العالم العربي نموذجياً في هذا الإطار، إذ فضلاً عما يعيشه العالم العربي نفسه في أنحاء كثيرة على أرضه، فإنه يعيش حالة توتر دائمة في المحيط الجنوبي كله، سواء في القرن الأفريقي، أو منطقة البحيرات العظمى أو المنطقة الصحراوية (مالي- موريتانيا- النيجر ونيجيريا) وهو ما نسميه دول الجوار الأفريقي. وتكاد تكون كل منطقة على حدة قابلة للتهدئة، كما قد نرى الآن في الصومال والقرن الأفريقي، ولكن العالم العربي يظل قابلاً للتأثر الشديد من تطورات المناطق الثلاث على السواء. وقد توقع الكثيرون أن يتحقق بعض الاستقرار بعد زيارة هيلارى كلينتون لمناطق متعددة من القارة، وبعد أن أرسلت العديد من الرسائل المطمئنة والمحذرة، ولكنها تحمل جميعاً إشارات عن الدور الأميركي المتحرك والراغب فى تحقيق السلام الأميركي بالطبع. لذلك يمكن قراءة الأحداث من هذه الزاوية لو نظرنا إلى تسارع الأحداث وعقد الاجتماعات الأقليمية لمعالجة المشاكل في وقت متقارب، فيما يشبه تسارعها في المنطقة العربية نفسها! في هذا الإطار من جانب نستطيع قراءة تسارع الاجتماع في منطقة الغرب الأفريقي، وفي إطار منظمة غرب أفريقيا(الإيكواس) لبحث نوع من التدخل المباشر في "مالي"، بعد ما أبداه المتطرفون هناك من تعنت لتأكيد وجودهم، في أجواء تحرك"بقايا القذافي" العائلية والمخابراتية، مما يهدد المنطقة بتحركات عنف جديدة، وهي القائمة بالفعل في النيجر ونيجيريا. ولا يبدو التوتر هنا بعيداً عن الشمال الأفريقي الذي لم تهدأ أطرافه في مصر وليبيا، بما يكمل شبكة العنف الذي لا يعني إلا القلق على المستقبل القريب. في إطار آخر، تشتد التوترات في منطقة البحيرات العظمى حول بحيرة فيكتوريا وبالخصوص في شرقي الكونغو، منطقة الثروات الاستراتيجية، لنجد أن اشتباكاً حاداً بين"المتمردين" وحكومة "جوزيف كابيلا" من ناحية وبين الكونغو ورواندا أو قل الرئيس الفتى"بول كاجامي" من ناحية أخرى ومن خلفه عناصر"التوتسي" الأشداء، فرسان المنطقة، ومصدر القلق الدائم على معظم حكامها في الكونغو ورواندا وأوغندا وبورندي على السواء. لذلك سارع الرئيس الأوغندي العنيد"يوري موسيفيني"إلى دعوة بعض زعماء المنطقة للقاء في كمبالا، مكتسباً "سلفا كير" زعيم جنوب السودان، وخاسراً "كاجامي" رئيس رواندا الأكثر عنداً، والأقدر على الصعود بتحالفاته الغربية الواسعة، وقوة جيشة الجاهز للعمل في مناطق التوتر في غرب ووسط أفريقيا. ومن ثم يصعب أن يشعر الكونغو بالأمان حيث بؤرة التوتر في شرقه حول الثروة التعدينية العالمية. وتبقى مفاتيح الحل موزعة في أكثر من يد بالمنطقة التي تكمن فيها تهديدات عميقة بحق...ولكنها هنا لا تتيح حسماً من نوع "التدخل" الذي يجري ترتيبه في غرب القارة، كما قد تختلف عن منطقة تحاول"الاستقرارالنسبي" على نحو ما قد تتوقعه في القرن الأفريقي. كانت التساؤلات مركزة على حالة القرن الأفريقي عقب وفاة الزعيم الأثيوبي"ميلس زيناوي" مباشرة، ومازالت كذلك بالطبع إزاء التساؤل عن مدى الركون إلى انتقال آمن بوراثة السلطة بوسائل قانونية مستقرة. ولكن يبدو الحدث الأكثر إثارة هذا الأسبوع (الثاني في سبتمبر 2012) هو انتخابات الرئاسة الصومالية، وما ترسله من إشارات حول استقرار الصومال بل والقرن الأفريقي كله... ورغم صعوبة التنبؤ وسط أوضاع قتالية وقبلية من النوع السائد في الصومال، فإن ثمة بعض الإشارات المهمة تظل ذات معنى. يبدو أن ثمة اتفاقاً بين الأطراف الخارجية أساساً، للوصول بـ"خريطة الطريق الصومالية" إلى نهاية مطمئنة بإقامة "محكومية" ثابتة لبعض الوقت على الأقل، ذلك ما بدا من اجتماع برلمان- وإنْ كان قبلياً- بعضه مئات من النواب(645) في فبراير الماضي لتحديد معالم الدستور الجديد، وهو ما تم بالفعل خلال أغسطس 2012، كما تم اختيار رئيس للبرلمان بتوافق يشبه الإجماع وبتمثيل بالتوافق ضم رؤساء الوزراء السابقين والوزراء و30 في المئة من البرلمانيين من النساء. وعليهم الآن اختيار رئيس الدولة من بين أكثر من خمسة وعشرين مرشحاً، وثمة معركة انتخابية بدأت أمس (العاشر من سبتمبر)، ويمكن أن تُصفى على بضعة مراحل- داخل البرلمان- إمعاناً في الديمقراطية"(التصفية الأولى إلى أربعة مرشحين ثم إلى اثنين وهكذا)، وذلك لمخاوف متبادلة من الجميع بالطبع، بسبب وفرة "المال السياسي" من التجار، ورغم أن عدداً من المرشحين من خريجي "هارفارد" واكسفورد! لكن ما يلمح إلى تراضي الأطراف الداخلية والخارجية حتى الآن هو الأنباء المتواترة، والتي تعني بترديدها مختلف أجهزة الإعلام عن ظاهرتين: أولهما: الهزائم المتتابعة لتنظيمات "الشباب" الإسلامية المتطرفة إلى حد خسارتهم لمواقع مهمة وسط الصومال، والأهم منها في "كسيمايو" مركزهم الجنوبي الرئيسي، وذلك بفضل هجوم قوي وشديد التسلح من القوات الدولية والأثيوبية وبمساعدة البحرية الكينية ضد من يهربون عن طريق البحر! ومن الطريف أن تتناقل بعض وسائل الإعلام"لوم" زعماء القاعدة لتنظيمات "الشباب " على سلوكهم الذي أفقدهم التأييد الشعبي، بما تعنيه الإشارة إلى تهدئة "القاعدة" مع بعض السياسات مؤخراً! أما ثاني الظواهر الملفتة، فهي تتابع التقارير الاقتصادية والاجتماعية أيضاً عن تحسن الأوضاع في مقديشو والصومال عموماً بما يجعل مستوى المعيشة أفضل منه في أثيوبيا وتنزانيا على سبيل المثال، وأن الوعود الرئاسية يمكن أن تجد طريقها للتنفيذ، وفق قوة الداعم في هذه الانتخابات وقبول الرأي العام في العاصمة وخارجها لهذا "المدعوم" وبقدر ما توحي به المعركة من إشارات قبلية ودولية، لكن لن يكون أقواها إلا ما يرد حول قدرة الرئيس الحالي "شريف" على البقاء. من الطبيعي أن نتوقع بعض الاستقرار في القرن الأفريقي بدرجة أو أخرى، لأن معارك السلطة ستشهد بعض التوقف في مناطق تهديدها المباشر سواء في الصومال أو أثيوبيا أو كينيا.... فأثيوبيا مقبلة على رئاسة جديدة، وكينيا مقبلة على انتخابات عامة خطيرة...والتجربة المبدئية ستكون في الصومال. بعض اتجاهات التحليل ستتوجه للنظر بخبث إلى مصير اتفاقات البترول في كينيا والصومال، أو اتفاقات الاستثمار في أثيوبيا والكونغو، أو اتفاقات الزعامة في أوغندا ورواندا ... قد تلتقي جميعاً أو تختلف، لكن وفق نفس قواعد اللعبة التي تجعلنا جميعاً في دوائر الصراع.