أعود اليوم لأكتب عن الانتخابات الأميركية بعد مقالي قبل أسبوعين عن "معركة انتخابية بمقاسات أميركية"، ذكرت معركة ولم أقل سباقاً، لأنه بالفعل ما يجري هو معركة حقيقة بكل ما تعنيه الكلمة من خطط واستعدادات ومواجهات وتكتيكات وإنفاق مالي، هو الأعلى من بين انتخابات الرئاسة في دول العالم قاطبة. وكما وعدت في ذلك المقال، سأتناول فرص كل من أوباما الرئيس ومنافسه رومني. انهيت مقالي قبل أسبوعين في الاتحاد:"معركة انتخابية بمقاسات أميركية"، ووعدنا باستعراض فرص كل من أوباما، الذي يجاهد لإعادة انتخابه لمرة ثانية وأخيرة ومنافسه مرشح الحزب "الجمهوري" وحاكم ولاية سابق ورجل أعمال ناجح يجمع بين الخبرة في القطاعين العام والخاص ومتعطش لإزاحة أوباما من طريقه ليصبح سيد البيت الأبيض. ثمة مصطلحات وتعابير، تستخدم في انتخابات الرئاسة الأميركية، غير موجودة سوى عند الأميركيين ونظام انتخابهم المعقد والأطول والأكثر كلفة من بين جميع الانتخابات في العالم. معركة الرئاسة محتدمة بشكل غير مسبوق. أوباما الذي فاز عام 2008 بوعود وآمال التغيير ومستقبل أفضل، يرشح ويطلب بإلحاح من الناخبين للإبقاء على جذوة الأمل والبقاء معه ومنحه 4 سنوات أخرى، لأن التغيير طويل وصعب وبحاجة للوقت. و"رومني" يلوح بسجل أوباما الفاشل وعجزه عن توفير فرص عمل وخفض البطالة ولذلك التغيير وبرنامجه هو الحل. ومعالم المعركة وخططها واضحة، فرص الفوز متعادلة، وهذا ما تؤكده استطلاعات الرأي التي تظهر أن كلا المرشحين متعادلان بحوالي 46 في المئة لكل منهما. ما ينذر بصراع حتى اللحظات الأخيرة، وخاصة في الولايات المتأرجحة أو المسرح الحقيقي لمعركة الرئاسة الأميركية. والأميركيون مغرمون بإسقاطات عسكرية على معركة سباق الرئاسة. فالأميركيون يسمون الأموال التي تجمع بأنها "War Chest" أي موازنة أو خزينة الحرب... ويسمون الولايات الحاسمة التي ستحسم السباق بين مرشح الحزبين ودائماً الخيار هو بين مرشحين من الحزبين "الجمهوري" و"الديمقراطي"، لا فرص لمرشح من حزب ثالث بسبب النظام الحزبي ونظام المجمع الانتخابي، الذي يفتقد للنظام النسبي من الفوز بالأصوات- فالولايات المتأرجحة التي تصل إلى حوالي عشر ولايات، والتي يملك كلا المرشحين فرصاً شبه متساوية للفوز بها ... تُمسى Battle Ground States.. أي ولايات المواجهة والقتال بين المرشحين، والتي تحظى عادة بأهمية وبزيارات عديدة للمرشحين ومرشحي نائب الرئيس للمرشحين وزوجاتهما وأعوانهما...كما تشهد حرباً حقيقية وقصفاً متواصلاً بعشرات الملايين في المدن الرئيسية في ولايات المواجهات، وصراعاً لكسب عقول وقلوب الناخب في الولاية عن طريق إعلانات تلفزيونية متواصلة. تلك الإعلانات موجهة بالتحديد للناخبين المترددين ومن لم يحسموا مواقفهم لمن سيصوتوا. نسبة المترددين تصل في بعض الولايات، مثل ميشيجن مسقط رأس المرشح "الجمهوري" رومني 10 في المئة من أصوات الناخبين. 44 رئيساً أميركياً انتخبوا في 57 منافسة رئيسية منذ عام 1800، لكن أوباما يسعى لكسب عقول وقلوب الأميركيين الذي وعدهم بالتغيير والأمل قبل 4 سنوات وصنع التاريخ، كونه أول رئيس غير أبيض يصل إلى البيت الأبيض، ومنافسه "رومني" الطامح لإقصائه من سدة الرئاسة. يعتمد "رومني" على الواقع الاقتصادي الصعب، وفشل أوباما الذي ورث إرثاً صعباً في الداخل الأميركي بسبب الأزمة المالية العالمية التي بدأت عام 2008، ولا تزال تلقي بظلالها اليوم على الواقع الأميركي الصعب. ويتمثل ذلك بزيادة نسبة العاطلين عن العمل وأرقام فلكية للدين العام والعجز التريليوني في الدولة صاحبة أكبر اقتصاد وأكبر ميزانية بين دول العالم. لم يتبق سوى شهرين عن يوم الحسم 6 نوفمبر- يوم الانتخابات الرئاسية والكونجرس وثلث أعضاء مجلس الشيوخ من مائة سيناتور، و11 حاكم ولاية من الحكام الخمسين سوى شهرين. لقد بدأت معالم الحملات الانتخابية تشتد، والقصف الإعلاني والتجريح وما يسميه الأميركيون"التقاذف بالأوحال تتصاعد وجمع وإنفاق الأموال من التبرعات والمتنفذين وأصحاب المصالح يرتفع ليحطم الأرقام القياسية السابقة، حيث يتوقع أن يتجاوز الإنفاق على حملتي رئاسة أوباما ورومني 2.5 بليون أو مليار دولار... ما دفع مجلة "تايم" واسعة الانتشار لوضع صورة غلاف في عددها قبل شهر مع إعلان لصورة البيت الأبيض للبيع بمبلغ 2.5 بليون دولار. أما إذا أضفنا كلفة الإنفاق على جميع المناصب المتنافس عليها في الكونجرس ومجلس الشيوخ فقد تتجاوز الكلفة الكلية 6 مليارات دولار! ما يؤكد أن الانتخابات الأميركية تبقى الأكثر كلفة كما عهدناها... وتكتسب الحملات الانتخابية زخماً كبيراً بعد مؤتمري الحزبين- "الجمهوري" في مدينة تامبا ومؤتمر الحزب "الديمقراطي" في مدينة شارلوت في الأسبوعين الماضيين، وترشيح الحزبين بشكل رسمي "ميت رومني" مرشحاً رسمياً عن الحزب "الجمهوري" والرئيس أوباما لولاية ثانية وأخيرة عن الحزب "الديمقراطي"، وقبول المرشحين للترشح وإلقاء خطابين مهمين للمرشحين، باتت الأرضية مهيأة للمرحلة الأخيرة من معركة الرئاسة. زيارات محمومة لعشر ولايات متأرجحة، لا يمكن للرئيس أن يصل إلى البيت الأبيض دون الفوز بأكبر عدد منها: فلوريدا-أوهايو- ميتشجن- نورث كارولينا- أيوا - نيوهامبشير -كولورادو -ويسكونسن. كما أن المناظرات الثلاث بين المرشحين في شهر أكتوبر القادم ستسمح للأميركيين الإطلاع عن كثب على أفكار ومواقف المرشحين حول القضايا الداخلية والاقتصادية والخدماتية والضرائب والشؤون الأمنية والخارجية، التي غابت لأول مرة منذ عام 2002 بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية. المُلفت في معركة الرئاسة هذه هو غياب الشأن الخارجي والأمني واقتصار معركة الرئاسة على الشأن الاقتصادي والهم المعيشي. فرصة المرشح الأكثر إقناعاً للناخب الأميركي ببرنامجه الاقتصادي وببث الأمل لدى الأميركيين المحبطين ستكون الأوفر. يقول رومني إن 23 مليوناً إما عاطل عن العمل أو توقف عن البحث عن وظيفة وبنسبة بطالة 8.1 في المئة هو من سيفوز بمعركة الرئاسة. رومني يشبه أوباما بمدرب كرة قدم يجب فصله وإنهاء خدماته لفشله. وأوباما مع قادة الحزب "الديمقراطي" مثل كلينتون وبايدن وكيري وبيلوسي يلوحون أن برنامج "الجمهوريين" ينحاز للأغنياء وأصحاب المال والأعمال على حساب الطبقة الوسطى! الناخب الأميركي، وخاصة المستقل، وفي ولايات جبهات القتال المتأرجحة من سيحسم السباق... وفرص أوباما ورومني متعادلة...لكن بانتظار فضائح، وأزمات وحرب الإعلانات والمناظرات لتحسم المعركة المحتدمة... ولنا عودة.