إن إمكانية شن هجوم باستخدام أسلحة الدمار الشامل على الولايات المتحدة أو على أراضي حلفائها الرئيسيين، هو سيناريو لكابوس يقض مضاجع صناع السياسة الأميركيين. وهذا الكابوس هو الذي دفع الإدارة الأميركية إلى شن الحرب على العراق، على الرغم من أنها لم تكن قد استكملت بعد مهمتها في أفغانستان، وكانت لا تزال تلاحق أسامة بن لادن وغيره من المسؤولين الكبار في تنظيم القاعدة. ثم جاء فشل المفتشين الأميركيين في فترة ما بعد الحرب، في العثور على أكداس أسلحة الدمار الشامل، التي كانت الإدارة تزعم أن النظام العراقي يحتفظ بها، كي يصبح سلاحاً فعالا في أيدي منتقدي الغزو العسكري الأميركي للعراق، والطريقة التي أدارت بها واشنطن شؤون الاحتلال في فترة ما بعد الحرب.
ويلاحظ أن مسؤولي الحكومة الأميركية وخبراءها العسكريين، يتحدثون في العلن عن أسلحة الدمار الشامل، كما لو أن تلك الأسلحة بأنواعها البيولوجية والكيماوية والنووية تتساوى في درجة الخطورة ودرجة التدمير. أما عندما يتحدثون في مجالسهم الخاصة فإنهم يعرفون أن الأمر ليس كذلك. وأخشى ما يخشاه هؤلاء المسؤولون، هو أن يقوم الإرهابيون بتوجيه ضربة إلى أميركا أو إلى دولة حليفة لها باستخدام الأسلحة النووية. وهذا الخوف ينبع من مصدرين هما: روسيا، أو علماء الذرة الروس. والثاني: عبدالقدير خان، عالم باكستان البارز وراعي برنامجها النووي.
أما روسيا، فقد شهدت في التسعينيات فترة سادها عدم الاستقرار السياسي وعدم اليقين العسكري. وخلال تلك الفترة كان عبء السيطرة على الترسانة النووية الضخمة التي يمتلكها الاتحاد الروسي، وعلى مواقع تخزينها، يقع على أكتاف مؤسسة عسكرية متدهورة، و قوات أمن تنتمي إلى الحقبة الشيوعية، وتم تسريح جزء كبير منها. وفي عقد التسعينيات أيضا تم استخدام أموال مخصصة من قبل البنتاجون لمساعدة روسيا على إجراء إحصاء دقيق، وإدارة عملية التخزين السليم للمواد الانشطارية، وتدمير وتفكيك الأسلحة النووية الزائدة عن الحاجة، ووسائل إطلاقها. ولكن أموال البنتاجون استخدمت، للأسف، لصالح منشآت البحث المدنية الروسية، في الوقت الذي ظلت فيه المناطق العسكرية بعيدة عن متناول الأميركيين، أو غيرهم من العلماء والمحققين الأجانب.
والسبب الآخر الذي أوجب قلق واشنطن من احتمال وقوع هجوم نووي، هو وجود شبكة تخريبية واسعة في روسيا، تشمل المسؤولين العموميين ورجال الأعمال الخصوصيين، يمكنها أن تلعب دوراً في أعمال الوساطة والسمسرة بغرض تسهيل عملية نقل التقنيات والخبرات ذات الصلة بالأسلحة النووية.
ومن النماذج البارزة في هذا السياق الدكتور عبد القدير خان الذي استخدم نفوذه النووي ومركزه الكبير في المؤسسة العملية النووية الباكستانية، لتسريع عملية نقل المعلومات والتقنية النووية لإيران، وليبيا، وكوريا الشمالية. أما السؤال المتعلق بما إذا كانت أسرار الإجراءات الأمنية المتعلقة بفك رموز المعلومات والتقنيات النووية، قد وصلت إلى أيدٍ إرهابية أخرى من خلال أعضاء هذه الشبكة السرية أم لا. فيبقى سؤالا لم نعثر له على إجابة مؤكدة وموثوق بها حتى الآن. ولكن أسباب القلق في هذه المسألة تتداخل مع ذلك وبشكل معقد مع بعض الجماعات الإرهابية، إلى درجة أنه لا يمكننا استبعاد حدوث أسوأ الاحتمالات.
هل يمكن تجنب هذا السيناريو؟ إن الأدوات اللازمة لتجنب الإرهاب النووي تنحصر في: منع وصول المواد والتقنيات النووية إلى الأيدي الشريرة. وردع من يمتلكون الأسلحة النووية عن استخدامها. والوقاية، متى ما كان ذلك مجدياً، ضد الهجمات النووية، أو القيام بتوجيه ضربة استباقية دفاعاً عن النفس في حالة تلقي إنذارات مبكرة عن قرب وقوع هجوم نووي.
ولكن هذه الخيارات تصلح للاستخدام ضد الدول وليس ضد الإرهابيين، الذين لا يوجد لديهم نظام يحمونه، أو أرض يدافعون عنها. ودعوني أقول لكم شيئاً، أن الولايات المتحدة- سواء أحببنا ذلك أم كرهناه- لا تستطيع مواجهة هذه المشكلة دون تعاون من الحلفاء وغيرهم من الحكومات الأخرى. إن مكافحة الإرهاب لا تعني فقط تحقيق
(الصدمة والرعب) ضد الأعداء ، وإنما تعني أيضاً القيام بمجهود شاق لجمع الاستخبارات، والقيام بأعمال الشرطة، لأن الحرب التي سنخوضها في هذا المجال هي حرب قذرة تدور في الظلام وبين الأشباح وفي بعض الأحيان تكون غير صحيحة من الناحية السياسية. ومع ذلك فإننا قد نجد أنه لا بديل أمامنا غير خوض تلك الحرب.
على الصعيد العالمي، يمكن القول إن عمليات تهريب المواد النووية التي يتم الإعلان عنها من حين لآخر بواسطة الحكومات المختلفة، لم تتضمن تهريب كميات كبيرة من المواد المحظورة عبر الحدود. ولكن الحيلولة دون تهريب المواد النووية المحظورة قد تكون إجراء كافياً إذا ما كان الأمر يتعلق بمواد انشطارية بكميات تكفي لتزويد جيش صغير أو سلاح بحري صغير بأسلحة نووية تكتيكية. أما بالنسبة للإرهابيين فإن الأمر يختلف تماماً. فكل ما يحتاجه هؤلاء الإرهابيون هو كميات أقل كثيراً من البلوتو