بينما يمضي نظام الأسد حثيثاً نحو سقوط مستحق، أعود بالذاكرة إلى تحذير تلقيته من صديق قبل 18 شهراً. في ذلك الوقت كنت سفيراً للولايات المتحدة في بغداد، ومهتماً بصفة أساسية بالتركيز على المشكلات المتعلقة بالعراق. لكن الصديق الذي كنت أثق به كثيراً -وهو كردي عراقي يؤمن إيماناً قوياً بضرورة بقاء العراق الموحد متعدد الطوائف- كان رغم عدم إعجابه بنظام الأسد، قلقاً للغاية بشأن الانتفاضة التي كانت تختمر مقدماتها على مهل في سوريا، وقد حذّرني من أنه ما لم يكن للولايات المتحدة تأثير على الأحداث التي ستندلع هناك، فإن أي تمرد ينشب قد يؤدي لتقسيم سوريا، وبعد ذلك تقسيم العراق، ثم المنطقة بأسرها، وفقاً لخطوط طائفية. والإحساس السائد بأن أيام الأسد قد باتت معدودة، يثير مخاوف بشأن قيام المتطرفين السنّة بشق طريقهم والقبض على زمام السلطة في دمشق، بما يمهد لنشوب صراع بينهم وبين الطائفة العلوية التي تنتمي لها عائلة الأسد، قد يتطور بعد ذلك ليصبح صراعاً سنياً شيعياً يمتد لما وراء الحدود السورية، ويؤدي لمزيد من الاضطراب في الشرق الأوسط. وهناك تقارير متزايدة تفيد بأن العنف الطائفي بات شيئاً مألوفاً في سوريا، وبدأ يرسخ أقدامه في لبنان المجاورة، وبأن إيران والأسد قاما بدور في مفاقمة المشكلة من خلال تأجيجهما مخاوف شيعة العراق من تداعيات انتصار السنة في سوريا. والشيء الذي يفاقم القلق الشيعي اليوم هو أن تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين" قد نقل عنفه الذي يستهدف الشيعة إلى سوريا. ومما يفاقم هذا المناخ، أن الجناح السياسي لحركة "حماس" قد ترك مقره في دمشق، واختار التضامن مع أشقائه السنة، بدلاً من الاحتفاظ بالدعم الإيراني، كما اختارت تركيا الاصطفاف مع الدول العربية المحافظة ضد سوريا وإيران. وسقوط نظام الأسد سوف يحرم إيران من حليف قوي في منطقة ذات أهمية استراتيجية حيوية، كما يمكن أن يفتح الباب أمام حكومة سورية جديدة ممثلة لكافة طوائف الشعب وذات وجه إنساني. لكن هذه المكاسب قد لا تتبلور أبداً، ما لم نعمل على تجنب التداعيات الناتجة عن الانتفاضة السورية. فإذا ما استعرت النيران الطائفية، فإن لبنان والعراق سوف يكونان في المقدمة بسبب تاريخهما في النزعات السنية الشيعية.ورغم أن المجتمع الدولي قد نجح من قبل في احتواء نزاعات ذات طابع ديني وطائفي، كما حدث في البلقان خلال تسعينيات القرن الماضي بين المسيحيين الأرثوذكس والمسلمين، فإن الوضع في الشرق الأوسط يمثل تحدياً أكثر صعوبة مقارنة بالتهديد الذي كان تمثله منطقة البلقان. ومسؤولو الولايات المتحدة ليسوا غافلين عن هذه التداعيات والمخاطر المحتملة، وقد حرصوا على العمل بشكل وثيق مع الساسة والمسؤولين العراقيين من أجل المحافظة على الهدوء والسلام النسبي بين السنة والشيعة وتشجيع العراق على النأي بنفسه عن العنف في سوريا. وإذا ما أخفقت هذه الجهود فسيكون من الصعب احتواء العنف الطائفي الذي يمكن أن يندلع جراء ذلك. ونظراً لفداحة المشكلات التي يمكن أن تترتب على هذا الإخفاق، فإن الحاجة تدعو لاتخاذ بعض الخطوات الإضافية، ومنها التعجيل بنهاية نظام الأسد، واستعادة الأمن والنظام في سوريا بأسرع وقت ممكن. فبعد 18 شهراً من اندلاع الانتفاضة، لا تسهم الفوضى المستمرة التي نتجت عنها سوى في تأجيج الكراهيات الطائفية. والتحذير الأخير الذي وجهه الرئيس الأميركي إلى الأسد بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية، كان من الخطوات المهمة في هذا الشأن، لكن الولايات المتحدة بحاجة، إلى جانب ذلك، للنظر في تقديم مساعدة عسكرية محدودة للمقاومة السورية، حتى من دون دعم أو موافقة مجلس الأمن الدولي. بعد ذلك يجب علينا المحافظة على قيمنا، حتى ونحن نحاول الوصول إلى الجائزة التي لا تنكر والمتمثلة في إفشال الدور الإيراني في سوريا. كما نحتاج للتركيز على العواقب السياسية والقانونية الدولية التي قد تترتب على هؤلاء الذين يتجاهلون مسؤولياتهم في الدفاع عن سلامة الحدود، وحقوق الإنسان للمجموعات البشرية، وحماية المواطنين من قبل الحكومات. وفي نهاية المطاف سنحتاج أيضاً إلى أن نوضح بشكل لا لبس فيه، وعلى النقيض من الآراء التي يتبناها بعض أصدقائنا في المنطقة، أن الشيعة ليسوا أعداء للولايات المتحدة وأن مشكلتنا الأساسية هي مع النظام الإيراني ونظام الأسد. ولا يزال أمام الولايات المتحدة وقت للتحكم في التهديد الطائفي المتفاقم، بيد أن الكوكتيل المتفجر المكون من الخصومة الدينية والمصالح الوطنية والاحتياطات النفطية في المنطقة، يحتاج إلى عمل نشط ومباشر في آن معاً. جيمس جفري _____________________ زميل زائر في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وسفير أميركي سابق لدى العراق وتركيا __________________ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"