لم تكن أحداث "الربيع العربي" ولا الانتفاضات اللاحقة عبر أفريقيا والشرق الأوسط، بالتطورات التي نظر إليها الصينيون كشيء جيد بالنسبة لهم. ويرجع سبب ذلك إلى أن الصين كانت قد استثمرت الكثير في ليبيا القذافي، لترى نظامه في نهاية المطاف، وهو يطاح بمساعدة من "الناتو" وبعض الدول العربية. وفضلاً عن ذلك مضت الصين قدماً في التماشي مع روسيا، والاعتراض من خلال استخدام "حق النقض" (الفيتو) على القرارات الصادرة من مجلس الأمن الدولي بإدانة سوريا، أو اتخاذ أي إجراءات جدية نحوها رغم تأجج نيران الحرب الأهلية المندلعة على أرضها، وازدياد كم الكراهية لرئيسها بشار الأسد في كافة أرجاء العالم السني. وفيما يتم إحراق الأعلام الصينية خلال الاحتجاجات في الدول العربية، وهو شيء لا ترتاح له الصين بالطبع خصوصاً مع الأخذ في الاعتبار احتياجاتها المتزايدة لمنطقة الشرق الأوسط، سواء كمصدر للطاقة اللازمة لتشغيل مصانعها، أو كسوق لتصريف منتجاتها الصناعية في وجه منافسة حامية من المنتجين الآخرين في القارة الآسيوية. ولعل ذلك من ضمن الأسباب المهمة التي تجعل من الطبيعي بالنسبة للصين أن تسعى للحصول على فرص جديدة مع دول كمصر مثلاَ. وعلى المنوال نفسه، نجد أنه من الطبيعي أن يقرر الرئيس المصري الجديد محمد مرسي زيارة الصين في نهاية شهر أغسطس الماضي، في أول رحلة خارجية كبيرة يقوم بها بعد توليه مهام منصبه. فمصر بحاجة إلى ممولين جدد لدعم وإسناد اقتصادها العليل الذي يواجه مصاعب شتى بعد الفوضى التي تعرضت لها عقب سقوط نظام مبارك في عام 2011. ومما يفاقم جسامة التحديات التي تواجه مصر عدد سكانها الذي يصل 82 مليون نسمة ويتوقع له أن يصل 115 مليون خلال خمسة عشر عاماً. وإذا ما نظرنا إلى الإحصائيات الديموغرافية التي تشير إلى أن الجزء الأكبر من حجم السكان يقع في الفئة العمرية بين 14 و34 عاماً، فسندرك أن الاقتصاد المصري بات بحاجة إلى إنقاذ عاجل. وهذا العدد الكبير من السكان يعيش على رقعة ضيقة من الأراضي القابلة للسكنى الممتدة على ضفاف نهر النيل في الدلتا. وإذا ما أخذنا في الاعتبار نسبة البطالة الكبيرة التي يعانيها المجتمع المصري، بما في ذلك الشباب المتخرج من الجامعات والحاصل على تعليم جيد، فسندرك أن مستقبل مصر ومستقبل "الإخوان المسلمين" الذين باتوا مهيمنين على السلطة فيها يتوقف بشكل كلي تقريباً على قدرة مصر على اجتذاب استثمارات أجنبية وإعادة هيكلة اقتصادها، بحيث يصبح أكثر إنتاجية مما هو عليه حالياً. ومصر بحاجة كبيرة لإمدادات خارجية من المواد الغذائية، كونها أكبر دولة في العالم مستوردة للقمح وثاني أكبر دولة مستوردة للذرة. ومع تزايد حالات الجفاف في عدد من مناطق العالم المنتجة للمحاصيل الغذائية، مثل أميركا الشمالية التي تعتبر من كبار منتجي القمح، فمن المتوقع أن تشهد أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً في الشهور القادمة، وهو ما سيزيد الأعباء التي يواجهها الاقتصاد المصري المنهك. والمشكلة أنه لا توجد أي دلائل على أن هذا الاتجاه سوف يتغير قريباً. وربما يكون من الضروري في هذا السياق الإشارة إلى أن القحط الشديد الذي ضرب العديد من المناطق الزراعية في سوريا، كان سبباً أجبر العديد من سكانها على الرحيل نحو أطراف المدن التي مثلت بيئةً لانطلاق أولى الانتفاضات ضد نظام الأسد. وخلال رحلته للصين، وقع مرسي عدداً من الاتفاقيات في مجال الزراعة، والمواصلات السلكية واللاسلكية، والبيئة، كما أن زيارته الرسمية سبقتها زيارة وفد من رجال الأعمال المصريين ضمّ 70 عضواً للبحث عن شركاء صينيين للاستثمار في العديد من المجالات المتاحة في مصر. غير أنه لم يرشح ما يفيد بأن هناك شيئاً ملموساً قد تبلور بالفعل خلال اتصالات الوفد. ومصر ليست بحاجة إلى استثمارات من جميع المصادر فحسب، بل وتواجه كذلك تحدياً بيئياً كبيراً بسبب زيادة الضغط على شبكة المياه الصالحة للشرب المستمدة من نهر النيل. ويشار في هذا السياق إلى أن جيران مصر الجنوبيين، وعلى وجه الخصوص إثيوبيا، يستخرجون الآن كميات مياه إضافية من نهر النيل لري المزارع وبناء سدود هيدروليكية لتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة لسكانهم الذين يتزايدون باستمرار. ومن المخاطر البيئية الأخرى التي تواجهها مصر، تعرّض مناطق في الدلتا وخصوصاً تلك الواقعة في أقصى الشمال للغمر بمياه البحر نتيجة للتغيرات البيئية، وارتفاع منسوب مياه البحر الأحمر الذي يجعل التربة أقل صلاحية للزراعة. هل تطوير العلاقات بين الصين ومصر يعد من الأشياء التي ينبغي أن يقلق الغرب والولايات المتحدة؟ بالطبع لا … وعلى وجه الخصوص في المدى القصير. فمصر تحتاج إلى أي مساعدة يمكن أن تحصل عليها، سواء من الصين أو أي دولة أخرى. ورغم أن الصين تمتلك فوائض هائلة من النقد الأجنبي فإنها اشتهرت بموقفها الحريص من الاستثمار في الدول الأجنبية وخصوصاً بعد التجارب لتي تعرضت لها في الدول الأفريقية لاسيما السودان، حيث ارتكبت أخطاء خطيرة ورّطتها في مأزق الصراعات الداخلية هناك، وهي لا ترغب في أن تجد نفسها متورطة في فوضى الصراعات والنزاعات بين الدول العربية بعضها بعضاً، أو في تعقيدات الصراع العربي الإسرائيلي. وفي الوقت الراهن لا يوجد لدى الصين أي طموح للعب دور عسكري جاد باستثناء القيام بزيارات رمزية لموانئ المنطقة، أو مرور سفنها الحربية عبر قناة السويس نحو البحر الأبيض المتوسط. ومنطقة الشرق الأوسط تبعد عن الصين آلاف الأميال، وفي المسافة الفاصلة بينها وبين تلك المنطقة، تقع الهند غير الحريصة على الإطلاق على رؤية الصين وهي تؤسس تواجداً قوياً لها في جنوب غرب آسيا. وهكذا، وفي الوقت الذي يوجد فيه من يتطلعون بتوجس وتشاؤم لاصطفافات استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط، فالحقيقة هي أن مستقبل مرسي يعتمد على قدرته على تغذية شعبيه، وما يمكن أن يحصل عليه من مساعدة صينية في هذا المجال. وقد يكون هذا في نهاية المطاف شيئاً محققاً لمصلحة الجميع، لأن البديل هو حدوث مزيد من الفوضى في مصر، والتي يمكن أن تنتقل منها إلى الجوار المضطرب.