حين قامت ثورة 25 يناير بعد أن احتشدت الملايين في ميدان التحرير ارتفع صوت الثوار إلى عنان السماء وهم يهتفون الشعب يريد إسقاط النظام. وتحت الضغوط الشعبية الهادرة اضطر الرئيس السابق إلى التنحي عن منصبه بعد أن سلم السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة. سقط النظام حقاً ولكن لم تبدأ عملية بناء مصر الديمقراطية بصورة ثورية تتمثل في تشكيل مجلس ثوري انتقالي يضم رواد الثورة ويرفع مطالبها الرئيسية ويضغط لتحقيقها. ذلك أن الثوار سرعان ما تشرذموا بعد الثمانية عشر يوماً الأولى في تاريخ الثورة، ورويداً رويداً وبعد الإجراءات التقليدية التي تمثلت في إجراء انتخابات لمجلسي الشعب والشورى سقطت الثورة في أيدي القوى السياسية التقليدية وفي مقدمتها جماعة "الإخوان المسلمين"، واستبعد الثوار من المجالس النيابية لضعف علاقتهم بالشارع السياسي، وعدم إتقانهم فنون "التربيط" الانتخابي التي تمرست بها القوى التقليدية عبر سنوات طويلة. غير أنه خلال المرحلة الانتقالية ونتيجة لعدد من التدخلات الخارجية والمؤامرات الداخلية بذلت محاولات مستميتة بعد إسقاط النظام لهدم الدولة. وتمثلت هذه المحاولات في إسقاط الشرطة بعد أن وجهت لها تهم مرسلة وانتقادات معممة، مما أحدث فجوة ثقة عميقة بينها وبين الشعب، وتمت أيضاً محاولات يائسة لإسقاط القوات المسلحة، ولإسقاط القضاء حتى تكتمل ثلاثية هدم الدولة. غير أن القيادات الوطنية في الشرطة والقوات المسلحة وكبار رجال القضاء وقفوا مستبسلين حتى لا تسقط الدولة، ودافعوا بشرف عن مؤسساتهم في مواجهة كل محاولات الهدم والتخريب. ولأنني على يقين بأن قيادات الشرطة وأفرادها من الضباط والأمناء والجنود هم في الواقع حراس المجتمع الذين يحمون الأمن الإنساني، لم أتردد لحظة حين دعاني اللواء الدكتور أحمد جاد منصور مدير كلية الشرطة لإلقاء محاضرة في سياق مقرر دراسي شامل يحضره الضباط من القيادات وشباب الضباط وطلبة الكلية وأمناء الشرطة. واخترت موضوعاً لمحاضرتي هو "التغيير الاجتماعي والأمن الإنساني". وحين دخلت قاعة المحاضرات الكبرى بالكلية وجدت أكثر من ألف وخمسمائة ضابط وطالب وأمين في انتظاري، وكان المنظر مبهجاً من ناحية، ويبعث على الانتباه الشديد لنوعية الخطاب الذي سأقدمه لهذا الجمع الكبير. ولذلك بادرت حين بدأت المحاضرة بإثارة ملاحظتين مبدئيتين: الأولى سؤال: ما هو المنهج الذي سأتبعه في المحاضرة التي كان موضوعها "التغيير الاجتماعي والأمن الإنساني"؟ وأجبت بأنني سأحاول الربط بين بعض ملامح سيرتي الذاتية باعتباري مواطناً مهتماً بالسياسة من العصر الملكي الليبرالي حتى الوقت الراهن، وبين سيرة الوطن عبر عهود أربعة هي مصر الليبرالية، ومصر الثورية (عهد عبدالناصر) ومصر في عهد السادات، وأخيراً مصر في عهد مبارك. والملاحظة الثانية هي أن مصطلح "أمن الإنسان" مصطلح حديث للغاية استحدثه تقرير لجنة أمن الإنسان بالأمم المتحدة عام 2004، وقصد منه تجاوز التعريفات التقليدية للأمن القومي والأمن السياسي والأمن الجنائي، لكي يركز على الأمن الحياتي للإنسان، وأعني كل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحيط بالإنسان. ومعنى ذلك أن أمن الإنسان يركز في الواقع على الرقي بأحوال الإنسان الاجتماعية، مع التركيز على ظروفه الاقتصادية من مدخل العدالة الاجتماعية وأحواله كمواطن من مدخل الحرية السياسية. ولذلك يمكن القول إن ثورة 25 يناير بشعاراتها الشهيرة عيش، حرية، كرامة إنسانية، إنما كانت تبلور فهمها لأمن الإنسان. وقد حاولت في المحاضرة استعراض التاريخ المصري المعاصر من عام 1945 تاريخ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى عام 1952 تاريخ ثورة 23 يوليو، التي برزت فيها مشكلتان أساسيتان: المشكلة الوطنية وهي إجلاء الإنجليز المحتلين، والمشكلة الاجتماعية التي تعبر عن الفجوة الكبرى بين من يملكون ومن لا يملكون. ولذلك قامت ثورة 1952 لآن النظام السياسي الملكي الدستوري الليبرالي فشل في حل المشكلتين. وهكذا استعرضت ثلاث دوائر متداخلة في التاريخ السياسي المصري المعاصر. الدائرة الأولى التي بدأت بثورة 1952 وانتهت بوفاة زعيمها جمال عبدالناصر عام 1970، وعنوانها البارز "عدالة اجتماعية بغير حرية سياسية". والدائرة الثانية من عام 1970 تاريخ تولي السادات الحكم حتى 1983 التي عنوانها البارز "تعددية سياسية مقيدة وبداية تقلص آثار العدالة الاجتماعية"، التي أطلق عليها عصر الانفتاح الاقتصادي الذي كان بداية التحول من الاشتراكية الناصرية إلى الرأسمالية. والدائرة الثالثة والأخيرة وتبدأ عام 1981 بتولي الرئيس السابق مبارك الحكم بعد اغتيال السادات حتى لحظة أن أجبرته ثورة 25 يناير على التنحِّي. وعنوانها البارز "سلطوية غاشمة تحت شعار الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي وظهور الفجوة الطبقية الكبرى بين سكان المنتجعات وسكان العشوائيات وتدني أحوال المؤسسات والبشر في مصر بصورة لا سابقة لها". وقد ركزت على الدائرة الثالثة لأنه في بدايتها حدثت تحولات عالمية كبرى أثرت على كل بلاد العالم أطلقت عليها من قبل في كتابي "الثورة الكونية والوعي التاريخي" القاهرة 1995، الثورة الكونية التي هي ثلاثية الجوانب. فهي ثورة سياسية تتمثل في الانتقال من الشمولية والسلطوية إلى الديمقراطية وهي ثورة قيمية تبدو في الانتقال من القيم المادية (إشباع الحاجات الأساسية) إلى القيم ما بعد المادية (إشباع الحاجات الروحية والمعنوية وفي مقدمتها احترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان) وهي أخيراً ثورة معرفية تتمثل في الانتقال من الحداثة التي كانت شعار المجتمع الصناعي إلى العولمة التي شهدت مولد مجتمع المعلومات العالمي الذي خلق فضاءً عاماً جديداً هو شبكة الإنترنت وما يدور فيها من تفاعلات كالمدونات والتويتر والفيسبوك. قامت الثورة إذن ونتجت عنها انفجارات سياسية وانفجارات اجتماعية كبرى لأن الجماهير تعودت على أن تخرج في مظاهرات مليونية لتنادي بمطالبها وتضغط على السلطة لتحقيقها، وحدث انفلات أمني واسع وبرزت حوادث التخريب و"البلطجة" مما ألقى على عاتق مؤسسة الشرطة مسؤوليات كبرى. وأهم هذه المسؤوليات تجديد نفسها واكتساب ثقة المجتمع من جديد، وقيام أفرادها قادة وضباطاً وجنوداً بأدوارهم الأساسية كحراس للمجتمع لأنه بغير الأداء الفعال للشرطة لا يمكن إطلاقاً ضمان أمن الإنسان.