تعتبر عائدات الاستثمارات الخليجية في الخارج أحد أهم مصادر الدخل، حيث فاق حجمها في بعض الأوقات قيمة العائدات النفطية في فترات انخفاض أسعار النفط. علماً أن هذا الحجم تذبذب على مدى العقود الثلاثة الماضية، وذلك تماشياً مع تقلبات أسواق النفط، إلا أن أشد هذه التذبذبات حدة وخسارة حدث أثناء الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي تكبدت فيها هذه الاستثمارات خسائر كبيرة أدت إلى انخفاض أصولها بنسبة تجاوزت 50 في المئة في بعض الحالات. وتتيح مثل هذه التجربة إمكانية تقييم هذه الاستثمارات والاستفادة من ظروف الأزمة للمحافظة على أصولها وتنميتها من جهة وإعادة هيكلتها من جهة أخرى، حيث يكمن أحد أهم الدروس في دراسة هيكلية هذه الأصول، ففي فترة ما قبل الأزمة تركز معظمها في القطاع المالي على شكل ودائع وأسهم وسندات ومساهمات في محافظ صناديق التحوط التي عانت أكثر من غيرها بسبب الأزمة المالية، بل إن بعض هذه الصناديق التحوطية كان طرفاً في الأزمة لاعتماده على المضاربة في المشتقات المالية عالية المخاطر. ومن هنا نجد الانخفاض الكبير في موجودات الاستثمارات الخليجية في الخارج أثناء الأزمة، حيث تمت استعادة جزء من هذه الخسائر مع تحسن الأوضاع المالية، إلا أن خسائر أخرى قد تحولت إلى خسائر حقيقية مع انهيار العديد من المؤسسات المالية العريقة. وفي الآونة الأخيرة عمدت المؤسسات الاستثمارية في دول مجلس التعاون الخليجي إلى إعادة النظر في خريطتها الاستثمارية حول العالم من الناحيتين الهيكلية والجغرافية، إذ ارتفعت حصص الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الحقيقي وشراء الأصول، إلا أن حصة الاستثمارات المالية لا زالت مرتفعة إذا ما قورنت بأشكال الاستثمار الأخرى. أما في مجال التنوع الجغرافي، فإن الاستثمارات الخليجية في فترة ما قبل الأزمة تركزت في البلدان الغربية بصورة أساسية، إلا أنها أصبحت أكثر تنوعاً جغرافياًً في الفترة الحالية، حيث ارتفعت الاستثمارات الخليجية في البلدان الآسيوية، وبالأخص الصين والهند من خلال الشراكة والاستثمار في الأصول الثابتة التي تشهد ازدهاراً مطرداً في هذه البلدان. وعلى سبيل المثال وقعت دولة الكويت مؤخراً مع شركة "ساينوبك" الصينية العملاقة للطاقة والبتروكيماويات وشركة "توتال" الفرنسية اتفاقية لإقامة مجمع للبتروكيماويات بتكلفة 9 مليارات دولار في الصين. ولذلك، فإن الاستثمارات الخارجية الخليجية في فترة ما بعد الأزمة يمكن أن تتنوع وتغدو أكثر توازناً وحذراً من الناحيتين الهيكلية والجغرافية، فالبلدان الصاعدة، كالصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وروسيا والمسماة بمجموعة "بريكس" تتوافر فيها فرص استثمارية كثيرة ومجدية وأقل مخاطرة لاعتمادها على الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الحقيقي، على اعتبار أن أسواق البلدان الصاعدة لم تصب حتى الآن بلوثة المضاربة بالمشتقات المالية التي كانت سبباً رئيسياً للأزمة المالية الأخيرة. ويتزامن ذلك مع التوقعات التي تشير إلى بقاء أسعار النفط مرتفعة، كما أنها ولأسباب عديدة مرشحة للمزيد من الارتفاع، وذلك إلى جانب زيادة الإنتاج، مما سيوفر لدول المجلس قدرات وفوائض مالية كبيرة للغاية يمكن تسخيرها لزيادة الاستثمارات الخليجية الداخلية والخارجية مع الاستفادة من التجربة السابقة بالتركيز على القطاعات الحقيقية والتنوع الجغرافي لتجنب المخاطر قدر الإمكان. ولذلك، فإن عائدات الاستثمارات الخليجية الخارجية ستشكل عوناً كبيراً لدعم الأوضاع المالية في دول المجلس في حال تراجع أسعار النفط، كما أنها ستساهم في تنويع مصادر الدخل وتدعيم تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي تسعى دول مجلس التعاون الخليجي إلى تحقيقها ضمن سعيها المستمر للتأسيس لتنمية مستدامة تتنوع فيها مصادر الإنتاج والدخل، بما فيها عائدات الاستثمارات الخارجية.