كان وسيبقى الجدل دائراً في المجتمع حول أهمية قيام المدرسة بدور "التربية" أو اكتفائها بالتعليم. اعتقد كمجتمع صغير ومنفتح على العالم كنا في بداية قيام دولة الاتحاد بحاجة إلى أن تشارك المدرسة في تربية الأبناء إلى جانب أولياء الأمور وتعطيهم بعض القيم والعادات الحديثة التي يحتاج إليها أي مجتمع ينتقل من مرحلة إلى أخرى، لذا يرى كثيرون أن "التربية" كانت مهمة، وهم أنفسهم يرون أنها يجب أن تستكمل دورها في المدارس. ويختلف مع هؤلاء آخرون يرون أن أمراً في غاية الأهمية طرأ، وهو أن المجتمع الإماراتي تطور وتغير أيضاً، وبالتالي تطورت أغلب الأسر الإماراتية، فأغلب الأسر أصبحت تتكون من أب وأم متعلمين –بعكس ما كان عليه الحال قبل أربعين عاماً- وهذا الأمر جعل من قيام المدرسة بدور المربي أمراً صعباً. فضلاً عن أن كثيراً من الأسر أصبحت تفضل أن تقوم هي بتربية أبنائها بطريقتها الخاصة دون تدخل من أي شخص خارج الأسرة سواء كان معلماً أو غيره، وهذا موقف الأغلبية على الرغم من وجود من يحتاجون إلى من يساعدهم في تربية أبنائهم، لذا يجب أن تتحمل الأسر مسؤولياتها الحقيقية في تربية أبنائها في مجتمع الإمارات بعد أن حصلت "التربية" على نصيبها في المدارس خلال عقد السبعينيات والثمانينيات وجزء من التسعينيات، ولم تعد قادرة على القيام بهذا الدور. كثير من دول العالم لم تعد تستطيع القيام بدور "التربية" و"التعليم" معاً، لذا فإن حكومات تلك الدول أصبح لديها وزراء للتعليم فقط، اما وزراء التربية فهم الآباء والأمهات في البيوت الذين تقع على عاتقهم المسؤولية الكاملة في تربية أبنائهم. في الماضي أيام الكتاتيب كان دور "المطوع" هو التربية والتعليم.. وكان قادراً على القيام بالدورين بشكل كبير، لأنه كان يمتلك الهيبة، ويحظى باحترام المجتمع، وثقة أولياء الأمور ربما كانت قدسيته لا تقل عن قدسية ومكانة المدرس الياباني اليوم، وكان بعض الأهالي "يترجونه" أن يعلم أبناءهم. ففي اليابان، يقف الطلاب احتراماً للمعلم في كل حصة دراسية، ويقولون له يصيغة الرجاء: "يامعلمنا هل يمكن أن تتفضل وتعلمنا"، وعندما يحدث ذلك عندنا يمكن أن نعيد الحديث عن التربية في المدارس، وبالتالي قد نجد التعليم تطور بشكل أفضل في منطقتنا. والمعلم في اليابان يحظى بمكانة اجتماعية راقية لا تقل عن مكانة الأطباء والبرلمانيين فضلاً عن التقدير المالي الممتاز الذي يحصلون عليه، لذا فإن مستوى التعليم في اليابان متقدم، ولنفس السبب يعتبر التعليم متخلفاً في المنطقة العربية، لأن المعلم لا يحظى بأي قدر من الاحترام أو الاهتمام... وقليلون هم الذين يمارسون التعليم كرسالة يرون أنفسهم يقومون بها، أو مهنة يفتخرون بها، وأصبح المعلم في أول فرصة يتمكن فيها ترك التعليم فإنه لا يتردد في ذلك. أما إذا لم تتح له الفرصة، فإنه يواصل المشوار بشعور كبير بالغبن. وهذه ليست مشكلة المعلم ولكنها مشكلة المجتمع الذي يعطي المعلم حقه ومكانته، وبالتالي حرم المجتمع والوطن من امتلاك نظام تعليمي قوي جداً. فقد كان وسيبقى المعلم هو العنصر الأساسي في العملية التعليمية. التجربة اليابانية جديرة بالاهتمام، فهذا البلد الذي خرج خاسراً من الحرب العالمية الثانية ومقصوفاً بقنبلة نووية، استطاع أن يكون أحد أقوى دول العالم اقتصادياً، وأحد أنجح التجارب التعليمية.. وعندما سئل امبراطور اليابان كيف تقدم بلده فأجاب:"بدأنا بكل ما انتهى به الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم، وأعطينا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب وزير"... قد نكون بحاجة الى مثل هذا التفكير. أما التعليم في الإمارات، فهو أحد القصص الرئيسية اليومية، بل والآنية التي تشغل بال المواطنين والمسؤولين وتشغل بال الحكومة والأسر... ففي الإمارات يلاحظ كل متابع، الجهود التي يتم بذلها لتطوير التعليم والميزانيات الضخمة التي تخصص من أجله، لدرجة أن شعار مجلس أبوظبي للتعليم المعتمد هو "التعليم أولاً"... وهذا الاهتمام يأتي من إيمان وقناعة تامتين بأنه بالتعليم الصحيح وبأبناء الوطن المتعلمين نستطيع أن نبني وطناً ناجحاً ونكمل مسيرة التميز التي بدأناها منذ عقود. هذا العام تحتفل الإمارات باليوبيل الذهبي على تطور التعليم في الدولة ، فقبل خمسين عاماً أي في عام 1962، بدأ التطوير الفعلي للتعليم، رغم أن التعليم كان قد بدأ في الإمارات في بدايات القرن العشرين، ففي هذا العام بلغ عدد المدارس 20 مدرسة، وعدد الطلبة قرابة 4000 طالب، معظمهم من الذكور. أما اليوم، فقد أصبح التعليم يعيش مرحلة أخرى من حيث عدد المدارس وعدد الطلاب والطالبات ومستوى التعليم. والسؤال هو هل هناك رضا عن مستوى التعليم؟ والإجابة ببساطة أن أولياء الأمور ليسوا راضين تماماً وأن المسؤولين ليسوا راضين تمام الرضا أيضاً.. إذاً هل هناك من هو راض عن التعليم في الإمارات؟ لدى بعض القائمين على شأن التعليم نبرة رضا ملازمة لحديثهم عن التعليم، وذلك إما لأنهم يرون أشياء لا نراها نحن، أو لأننا لا نسمع إلا النقد الذي يدور حول العملية التعليمية. ومهما كان تقييم التعليم إلا أن من المهم مواصلة العمل من أجل تطويره بشكل يحقق أهداف التنمية وينشر المعرفة ويخرج أجيالاً من المتعلمين والمبدعين. هم تطوير التعليم مشترك لدى كثير من دول العالم... وفي منطقتنا العربية على الرغم من أن الأجيال العربية تغيرت والمجتمعات تواجه تحديات حقيقية، مازال التعليم العربي، يراوح مكانه ولا نستغرب من ذلك عندما نعلم –حسب تقرير البنك الدولي- أن الدول العربية خصصت حوالي خمسة بالمئة فقط من اجمالي الناتج المحلي و20 بالمئة من الإنفاق الحكومي على التعليم خلال الأربعين عاماً الماضية. وهناك ثلاث فئات لتصنيف الأنظمة التربوية ذات الأداء الرفيع الأولى وهي الدول صاحبة الأداء الرفيع والأسرع في إدخال التحسينات وهم هونج كونج – الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة فيما أصحاب الأداء الرفيع هم أستراليا وكندا وفنلندا واليابان وهولندا، أما الفئة الأخيرة وهي الأسرع في إدخال التحسينات على أنظمتها التربوية فهي البرازيل وإنجلترا وإندونيسيا ولاتفيا والمكسيك وسلوفينيا... ولا توجد دولة عربية بينها! مشكلات التعليم وهموم المعلمين لسنا بحاجة إلى تكرار ذكرها، فقد أصبحت محفوظة عن ظهر قلب.. كل ما نحتاجه هو بذل المزيد من العمل لتغيير واقع التعليم في عالمنا العربي إذا ما كنا نريد أن نلحق بركب الحضارة ونكون ضمن الأمم المتقدمة المنتجة، وليس المستهلكة فقط. كل عام وطلابنا بخير... ونتمنى لهم عاماً دراسياً موفقاً ومفيداً. محمد الحمادي كاتب وصحفي-الإمارات