أُشيعت خمس أساطير عن إعصار كاترينا أولها أن إجراءات السلامة في "نيوأورلينز" فشلت بسبب قوّة الإعصا الزائدة. هذا ما حاول سلاح المهندسين بالجيش الأميركي إدعاءه عقب آثار العاصفة الكارثية. غير أن الحواجز الرئيسية بما فيها قنوات شارع 17 وجادة لندن الواقعة في وسط المدينة، أخفقت رغم أن منسوب المياه كان أقل كثيراً من المنسوب المخطط تحمله. إلا أن سلاح المهندسين اعترف بعد ذلك بأن سبب إنهيار الحواجز كان تصميمها المعيب. حيث لم تثبت أعمدة التدعيم والألواح المعدنية على عمق كاف في التربة لتقوية جدران السدود. وكان يجب على خبراء سلاح المهندسين الجيولوجيون إجراء الفحوص اللازمة لقياس تماسك التربة أسفل الحواجز. ولم ينفق على ألواح الحماية وحواجز السد سوى القليل، والنتيجة أن إعصار "كاترينا" كان أول كارثة تكبد الولايات المتحدة 200 مليار دولار. وثاني تلك الشائعات أن استجابة الولاية لم تكن أقل سوءاً من استجابة الحكومة الفيدرالية مع انتشار انتقاد الرئيس الأميركي آنذاك بوش الابن ورئيس الوكالة الاتحادية لإدارة الطوارئ "مايكل براون"، بدأ البيت الأبيض محاولة تحويل اللوم إلى سلطات الولاية وخصوصاً حاكمة لويزانا "كاثلين بلانكو" إدعاء بأنها تأخرت كثيراً في إعلان حالة الطوارئ وأنها لم توضح احتياجات ولايتها. في الواقع كانت "بلانكو" قد أعلنت حالة الطوارئ في يوم الجمعة 26 أغسطس قبل يوم واحد من قيام حاكم ولاية مسيسبي "الجمهوري" هالي باربر، بل البيت الأبيض ذاته بإعلان حالة الطوارئ. وفي يوم الاثنين التالي حين وصل إعصار كاترينا استنجدت "بلانكو" هاتفياً بالرئيس بوش الذي كان في إجازة وصرخت: "السيد الرئيس نحن نحتاج إلى مساعدتك، نحتاج إلى كل ما عندكم". علق عشرات الآلاف من سكان "نيوأورلينز" في السوبر دوم ومركز مؤتمرات المدينة، وطلب حرس لويزيانا الوطني من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ 700 حافلة، وبعد أيام أرسلت الوكالة 100 حافلة، وكان قد مضى أسبوع تقريباً قبل غوث آخر الناجين من الفيضانات. وكان هناك تحامل آخر استغلالاً للصورة النمطية التي ارتبطت خطأ بسكان جنوب الولايات المتحدة عن بطء ردود أفعالهم، حيث اتهموا زعماً بأنهم تراخوا في الخروج من أماكن الخطر. وقال "براون" للكونجرس بعد مضي شهر واحد على كاترينا، "كان فشل الإخلاء السبب في كل ما حدث ما بعد ذلك". في الواقع لم يكن تهجير قرابة 1.3 مليون نسمة من جنوب شرقي لويزيانا منهم 400 ألف نازح تقريباً من"نيوأورلينز" أحد أكبر موجات الهجرة الجماعية في تاريخ الولايات المتحدة فقط، بل جرى بشكل جيد جداً يسر تدفق حركة نقل الناجين الهائلة مقارنة بما سبق من عمليات إخلاء في تاريخ الولايات المتحدة. وثالث تلك الشائعات أن العاصفة أضرت بتركيبة "نيوأولينز" السكانية وحولتها إلى مدينة ذات أغلبية بيضاء. لم يحول إعصار كاترينا "نيوأورلينز" إلى أغلبية بيضاء. ووفق الإحصاء السكاني لعام 2010 تراجعت أغلبية المدينة السوداء من 67 في المئة قبل كاترينا إلى حوالي 60 في المئة الآن، وهو ما يعود سببه جزئياً إلى قدوم أعداد كبيرة من ذوي الأصول الإسبانية. وتذهب نظريات الاضطهاد العرقي والمؤامرة إلى أن النخب الغنية بالمدينة دمرت حواجز العاصفة لحماية الأحياء السكنية الغنية على حساب الأحياء الفقيرة أو لإخراج الأميركيين الأفارقة ذوي الدخل المحدود من المدينة. انتشر هذا الادعاء الكاذب عقب العاصفة، وادعى لويس فرخان أن رئيس مجلس المدينة رأى ناجين أخبره بأن الحواجز هدمت عمداً إلا أن بعض الناجين أنكروا هذا رسمياً. كما أن" سبايك لي" الذي أخرج فيلماً وثائقياً عن كاترينا شكك في مساعي إخراج سكان سود من "نيوأورلينز". يذكر أن بعض الأحياء الغنية ذات الأغلبية البيضاء تضررت أيضاً بالعاصفة. ورابع تلك الشائعات أن حواجز "نيو أورلينز" متينة وفي إمكانها تحمل إعصار آخر في قوة "كاترينا". وعقب كارثة "كاترينا" خصصت واشنطن 14.5 مليار دولار لأعمال تطوير مكافحة الفيضانات، بحيث تكون قادرة على مواجهة العواصف العاتية الفجائية حتى التي يبلغ احتمال وقوعها 1 في المئة، ولكن هنا تكمن المشكلة: من خلال تقديرات الجيش الأميركي كانت عاصفة "كاترينا" من النوع الذي لا يحدث مرة كل 100 عام فقط، بل من النوع الذي لا يحدث سوى مرة واحدة كل 400 عام. ولا تزال "نيوأورلينز" تفتقر إلى الوسائل الكفيلة بمواجهة العواصف الكبرى بحجم "كاترينا" أو أكبر والتي قد تضرب خليج المكسيك في وقت ما. خامساً أن سكان "نيو أورلينز" قد تعلموا الدرس، وأنه يمكنهم على الأرجح أن يسارعوا إلى الإخلاء على نحو أكثر كفاءة. لا يمكن التعويل على ذلك. فرغم أن مسار عاصفة إعصار "ايزاك" ينبئ بأنها ستصل حتى المسيسيبي، فإن معظم سكان "نيو أورلينز" لم يحركوا ساكناً. ولا يزال كثير من المتاجر مفتوحاً، ولا يبدو أن أصحابها يأخذون الأمر على محمل الجد. ــــــــــــــــــــــ جيد هورن ـ ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"