شهدت العاصمة الإيرانية طهران عقد قمة حركة عدم الانحياز السادسة عشرة، في أكبر تجمع دولي ضم قادة ووزراء خارجية 120 دولة، بالإضافة إلى مراقبين من 17 دولة أخرى، استطاعت به طهران أن تثبت للعالم أنها أبعد ما تكون عن العزلة السياسية دولياً على رغم طوق العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي، ومع الزخم الإعلامي المرافق لعقد القمة في طهران حاولت إيران توظيف عقد القمة على أكثر من جانب، وستحاول استغلال رئاستها للحركة بما يخدم أجندتها السياسية عن طريق تحشيد الدعم السياسي والدبلوماسي لسياساتها من أعضاء الحركة، هذا من جانب، وتناور طهران لإحداث نقلة نوعية في طبيعة عمل الحركة بطرح فكرة اتحاد فعلي بين دول حركة عدم الانحياز الـ120، "لحماية مصالحها الخاصة بوجه القوى الاستعمارية". وقد أعلن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية السيد علي خامنئي هذه الأهداف بالقول إن العالم "يمر بفترة انتقالية إلى نظام دولي جديد، وبمقدور حركة عدم الانحياز، ويجب عليها، أن تمارس دوراً جديداً". ولكن هل تجاوز الزمن حركة عدم الانحياز؟ هل لا تزال الحركة تخدم أهدافاً رسمت قبل ما يزيد على نصف قرن؟ ظهرت فكرة عدم الانحياز خلال لقاء انعقد في عام 1955 هو مؤتمر باندونغ بإندونيسيا، الذي حضرته 29 دولة آسيوية وأفريقية حديثة الاستقلال تحاول انتهاج سياسة دولية مشتركة تجمعها، ووضعت ما يسمى بمبادئ باندونغ العشرة. وتبلورت فكرة حركة عدم الانحياز على يد خمسة زعماء تاريخيين هم جمال عبدالناصر وجواهر لال نهرو وجوزيف بروز تيتو والزعيم الإندونيسي سوكارنو والغاني كوامي نكروما. وعقدت الحركة مؤتمرها الأول عام 1961 في بلجراد بمشاركة 25 دولة، فكانت فكرة عدم الانحياز في عالم القطبية الثنائية بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي وكتلته الشرقية والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها، ووسط أحلاف عسكرية وحرب باردة وحروب بالوكالة وحالة استقطاب كان عدم الانحياز خياراً مناسباً لدول حديثة الاستقلال. ولكن، بين قمة بلجراد وقمة طهران ماذا تبقى من حركة عدم الانحياز؟ شهدت الستينيات انطلاق الحركة بـ 25 دولة وعرفت في السبعينيات توسعاً كاسحاً لتوسع حركة الاستقلال بين المستعمرات السابقة فكانت أضخم حركة سياسية لها ثقلها السياسي المعنوي، وعقدت دول حركة عدم الانحياز وعبر سنواتها 16 مؤتمراً للقمة، ولعبت دوراً مهماً في سنوات التأسيس لدعم حركات تحرر الشعوب من الاستعمار ولدعم القضية الفلسطينية ومناهضة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وعلى رغم محدودية دورها الفعلي في السياسات الدولية إلا أنها بقيت منبراً للصغار. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي برز تساؤل منطقي حول الدور المفترض لحركة تتسمى بعدم الانحياز بعد أن انهارت الثنائية القطبية بانهيار القطب الشرقي وتهاوت دوله كأحجار الدومينو، وتفردت الولايات المتحدة بالسياسات الدولية، ولكن الحركة استمرت في عقد القمم دورياً واستمرت أنشطتها الدبلوماسية، وبياناتها الختامية ظلت منبراً لدولها التي بلغت في قمة طهران 120 دولة. واقعياً لقد تغير نمط العلاقات الدولية خلال نصف قرن وعلى الدول الأعضاء في الحركة إجراء مراجعة جدية لأهداف الحركة ودورها وتأثيرها في السياسة الدولية المفترض، وقبل كل ذلك الحاجة الفعلية لاستمرارها وفق مفهوم عدم الانحياز. وتاريخياً على رغم الشعارات البراقة والحياد الإيجابي والطريق الثالث كانت دول عدم الانحياز منحازة، فالاستقطاب الدولي وفر هامشاً لدول عدم الانحياز للاستفادة من تناقضات الدول الكبرى، ولابتزازها كذلك، وقد انضوت تحت الحركة دول تدور في فلك الغرب وأخرى تدور في فلك الشرق بشكل فاضح، ومع ذلك تتسمى بعدم الانحياز. وعوداً على بدء، على رغم الحديث الطويل عن نظام دولي متعدد الأقطاب من شأنه أن يحدث التوازن في نظام أحادي القطبية فحركة عدم الانحياز حركة تجاوزتها معطيات التاريخ وحقائق الجغرافيا، فمساهمة الحركة في السياسة الدولية ستظل محدودة، وستبقى القمم مناسبة دبلوماسية للخطابات المكررة والمتناقضة أحياناً، والبيانات الختامية الإنشائية والقرارات غير الملزمة.