كانت سنة 2009 عام الاحتفاء بالعالم الشهير تشارلز داروين، حيث كان كتابه "أصل الأنواع" قد صدر عام 1859، فكانت تلك ذكرى مرور قرن ونصف القرن على صدوره، بما رافق نشر ذلك الكتاب من ضجة كبرى في المجالات العلمية وغيرها، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم. كما يستمر الجدل حول نظريته في التطور وأصل الإنسان، وكذلك في البحث عما يدعم الأفكار والأسس التي بنى عليها العالم الإنجليزي نظريته، وما يشكك فيها. فلا يكاد يمر يوم علينا دون أن يظهر كتاب أو مقال أو ملخص بحث أو خبر علمي ذو صلة بالنظرية وأدلتها. ولا تستمد هذه الأدلة من عالم الإنسان وحده أو حتى "القردة العليا" بأنواعها، بل تشمل كذلك الطيور والنباتات والحشرات وطبقات الأرض وغيرها. كما فتح التقدم الهائل في علم الجينات والعلوم الطبيعية واستخدام الكمبيوتر وأدوات البحث والإحصاء المتقدمة، آفاقاً جديدة للباحثين والعلماء، وهو على الأرجح جهد علمي لن يتوقف لسنوات طويلة قادمة.. سعياً في حسم الجدل. ولو بدأنا الحديث عن القَرَدة بالذات، لوجدناها قد استفادت كثيراً من تسليط الأضواء عليها، حيث اتسع التعاطف مع شتى أنواعها، وارتقت مكانتها. يقول أحد أساتذة جامعة "برنستون" الشهيرة بالولايات المتحدة "د. بيتر سنغر"، مؤلف كتاب "تحرير الحيوان"، في عام 1993 أسست أنا وزميلة لي "مشروع القَرَدة العليا"، لتكريس فكرة الاعتراف بأن هذه الحيوانات تتمتع بوضع أخلاقي يليق بطبيعتها ككائنات واعية وقادرة على التفكير وتعيش حياة عاطفية وعميقة. وعلى الأقل ينبغي لها أن تتمتع بحق الحياة والحرية والحماية من التعذيب. وبالفعل، يضيف د. سنغر، أحرزت تلك الفكرة في السنوات اللاحقة تقدماً مطرداً، ومنذ عام 2010 حظر الاتحاد الأوروبي بشكل أساسي استخدام القردة العليا في التجارب. وفي مجال البحث عما هو مشترك بين "القردة العليا" والإنسان، نشرت نتائج دراسات عديدة، أعلنت إحداها أن الشمبانزي تدرك اقتراب الموت مثل الآدميين. ويقول "جيمس أندرسون" في مجلة "كرنت بيولوجي" إن "ظواهر عدة مثل القدرة على التحليل والكلام واستخدام الأدوات ووعي الذات مسائل اعتبرت أنها تفصل الإنسان عن الأجناس الباقية، قبل أن تبين العلوم أن هذا الفصل أقل وضوحاً مما كان مفترضاً". ويضيف الباحث إن "إدراك هذا الموت من بين ظواهر نفسانية ظنناها ولفترة طويلة، خاصة بالإنسان، غير أن رصد قرود شمبانزي بيَّن أنها تتفاعل مثلاً مع خسارة أحد أفراد مجموعتها، وأنه خلال اللحظات الأخيرة في حياة إحدى إناث الشمبانزي، ظهر أنها تعي فكرة الموت، وعلى نحو أكثر تطوراً بكثير مما ظنناه على الأرجح". وكان بعض العلماء الأميركيين قد أعلنوا في نوفمبر 2009، أنهم توصلوا إلى اكتشاف الإجابة عن سؤال "لماذا تمكن البشر القريبون جينياً من حيوان الشمبانزي من تطوير اللغة والقدرة على النطق، في حين لم يتمكن الأخير من ذلك"؟ ورجح فريق من الباحثين من جامعتي كاليفورنيا وإيموري في دراسة نشرت في مجلة "الطبيعة"، أن تكون الإجابة عن هذا السؤال كامنة في جين يعرف بـFOXP2، الذي حين يتعرض للتحول، قد يعوق القدرة على النطق واستخدام اللغة. أما الباحثة "كريستيل شنايدر" من "معهد ماكس بلانكس" للتطور وعلم الإنسان في لايبزيغ بألمانيا، فقد توصلت إلى أن القردة تهز رؤوسها كالبشر تماماً، للتعبير عن رفضها أو للاحتجاج. وقد توصلت الباحثة إلى هذه النتيجة بعد دراسة صور فيديو لقردة كبيرة الحجم مثل الشمبانزي والبونوبوس وغيرها في ست حدائق للحيوانات بأوروبا. وقالت "شنايدر" إن من المعروف عن قردة بونوبوس الكبيرة التي تتشارك مع قردة الشمبانزي في الكثير من العادات، وتعيش بجمهورية الكونغو الديمقراطية، أنها تهز رؤوسها خلال التخاطب مع بعضها بعضاً، ولتشجيع القردة الأخرى للعب معها. وأضافت أن هز الرأس لا يدل دائماً على الرفض أو قول "لا" حتى بين البشر، لأن ذلك يعني نعم أو الموافقة على أمر ما في دولة مثل بلغاريا. (الجريدة 2010/5/7). وهذه الملاحظة غامضة لأن هز الرأس عادة يكون بطريقتين لدى معظم البشر، إحداها رأسية للموافقة وأفقية، من اليمين إلى اليسار مثلاً، للاعتراض! ولفت نظر بعض الباحثين "التقبيل"، هل هو ظاهرة إنسانية فقط؟ وكان الجواب أن التقبيل غير معروف عند كل فصائل المخلوقات الحيوانية، "وإنما عند البشر والقردة فقط"، كما يشير إلى ذلك علماء الحيوان والبيولوجيا. وتؤكد د. "هيلين فيشر" الأميركية من جامعة كولومبيا، في كتاب أصدرته عام 2009 بعنوان "لماذا نقع في الحب"؟ أن الحالة التي نسميها "الحب من أول نظرة"، توجد في الواقع عند الحيوانات وبخاصة الثدييات. وتورد في الكتاب مجموعة كبيرة من الأمثلة عن حيوانات حقيقية وقعت في الحب من أول نظرة مع قرين لها دون غيره من سكان الشوارع أو المنازل أو حدائق الحيوان المنتشرة في العالم. ولكن هل تطور المشاعر الاجتماعية مقتصر على بعض الثدييات كما قد توحي هذه النماذج؟ في الواقع أن القضية أعقد من ذلك. ففي بحوث العلماء على النمل، ركزوا على حالات التضحية الشخصية. "فعمل النمل في بعض الأحيان يحتاج إلى بناء ومد جسور بين السهول والمنحدرات لنقل المواد الغذائية أو المواد الأولية للبناء، وهنا تبرز روح التضحية، حيث يتبرع شبان المستعمرة بتحويل أجسادهم إلى جسور تعبر عليها مجاميع العمال من ضفة إلى أخرى، فتتشابك أياديهم وأقدامهم على شكل شريط أو سلسلة تمتد في أعالي السهل أو المنحدر، وتمسك بطرفيه أو جانبيه، ومن ثم تبدأ أقدام المجموعة تطأ هذا الجسر ذهاباً ورجوعاً، حتى تستكمل نقل جميع المواد المطلوبة". هل هذا ميدان جديد تدخله علوم الأحياء.. وهل له مخرج!