إنها تلك المنطقة من العالم التي تترك أكبر أثر لقدم بشرية، إنها تلك المنطقة من العالم التي تلتهم 80 في المئة من المحاصيل والموارد النباتية الأخرى التي تنتجها كل عام. وهي أيضا المنطقة التي ستصبح مسألة استمرارها كبيئة محل شك إذا ما ظلت الأمور فيها على ما هي عليه حاليا.
الشيء الذي قد تدهشون له هو أننا لا نتحدث عن الولايات المتحدة هذه المرة. وإنما نتحدث عن مساحة شاسعة من الأراضي في قارة آسيا تمتد من الهند وحتى الصين. والنظر إلى تلك المنطقة يدفعنا إلى طرح سؤال يبدو حتمياً في هذا السياق وهو: إذا ما اقتربت تلك المنطقة من العالم من نقطة حدوث عجز في ميزانيتها البيئية، فهل ستستطيع بعد ذلك أن تحافظ على استمرار نموها لفترة أطول من الوقت؟
"بعض مناطق العالم تستهلك ما يتجاوز إنتاجها الكامل من المحاصيل والمصادر النباتية، التي يوفرها نظامها البيئي المحلي". هذا ما يقوله "تايلور ريكيتس"، مدير البرنامج العلمي للمحافظة على البيئة، التابع لصندوق الحياة الفطرية العالمي في واشنطن، ومؤلف دراسة حديثة عن فقدان التوازن البيئي. ويضيف "ريكيتس" إلى ذلك قوله: "هذه المناطق تجري إعانتها من قبل أنظمة بيئية أخرى... فهي موضوعة على جهاز لإنقاذ الحياة إذا ما جاز لنا القول".
وهذه الاكتشافات تنبع في الأساس من خريطة رسمها الدكتور "ريكيتس" وزملاؤه لتوضيح أثر القدم "الأيكولوجية" التي يتركها الإنسان على كل ميل مربع من الأرض في المناطق المأهولة بالبشر. وهذه الخريطة الجغرافية التي تم نشرها في عدد يونيو من مجلة "Nature" الواسعة الانتشار، تتحدى الآراء السائدة حاليا حول أنماط الاستهلاك، في نفس الوقت الذي تقوم فيه بتبيان الآثار الدرامية للانفجار السكاني في العالم.
والطريقة التي استخدمها "ريكيتس" في الحساب تتسلسل على النحو التالي: أولا، يتم جمع كميات الطاقة الشمسية الموجودة في الكون والتي تحولت إلى كربون عضوي، ثم يتم ضرب حاصل الجمع في كمية النباتات التي يتم إنتاجها كل عام. والناتج هو ما أطلق عليه ريكيتس الإنتاج الأولي الصافي أو "Net Primary Production". بعد ذلك يطرح من ذلك الجزء الذي يستهلكه البشر. أي الكمية الإجمالية للكربون الموجود في المواد التي يستهلكها الناس بدءا من القطن المستخدم في صنع الملابس، إلى الخشب المستخدم في بناء البيوت، إلى رقائق الذرة "الكورن فليكس" والحليب الموجود في سلطانية للحلوى.
ويتصور "ريكيتس" أن سكان العالم البالغ عددهم 6.3 مليار نسمة يستهلكون ثلث (الإنتاج الأولي الصافي) للعالم كل عام. وعلى رغم أن هذا المعدل يبدو قابلا للاستمرار، إلا أنه يخفي في طياته الاختلالات الرئيسة الاستهلاكية الموجودة في بعض مناطق العالم.
فعلى سبيل المثال يستهلك الجزء الأكبر من سيبيريا فعليا صفرا في المئة من (الإنتاج الأولي الصافي). على النقيض من ذلك نجد أن أميركا الشمالية تستهلك 23 في المئة من هذا الإنتاج. والمثير للدهشة، أن هذا الاستهلاك يظل مع ذلك أقل من المتوسط العالمي. وسكان أميركا الشمالية لا يستهلكون كميات أقل، فهم يلتهمون 4.5 طن من الكربون كل عام، مقارنة بكمية متواضعة لا تزيد على 1.2 طن يستهلكها سكان جنوب آسيا الوسطى. ولكن هذا الجزء من آسيا أكثر اكتظاظا بالسكان ( 1.3 مليار نسمة) كما أن كثافته السكانية تزيد عن تلك الموجودة في أميركا الشمالية. وكنتيجة، فإننا نجد أن هذه المنطقة تستهلك كمية كبيرة من السلع كل عام تجعلها بحاجة إلى 1.6 مليار طن من الإنتاج الأولي الصافي سنويا أو ما يعادل 80 في المئة من الناتج الكربوني لتلك المنطقة- كما تشير الدراسة.
هذه هي الصورة الحالية. وإذا ما قامت الدول النامية بزيادة الاستهلاك كي يماثل ذلك الموجود في الدول الصناعية المتقدمة، فإن معدل الاستهلاك البشري الشامل للإنتاج الأولى الصافي، سوف يرتفع بنسبة 75 في المئة. وفقا للحسابات التي أجراها "ريكيتس" والمجموعة العاملة معه.
وهذا التحول يحدث حاليا بالفعل كما يذهب إلى ذلك "نورمان مايرز"، الأستاذ الزائر للعلوم البيئية بجامعة "أكسفورد"، والمشارك في تأليف الكتاب الجديد المعنون "المستهلك الجديد". ففي الوقت الراهن هناك مليار شخص يعيشون في 20 دولة من الدول النامية أو من الدول التي تمر بمرحلة الانتقال بين النمو والتقدم قد أصبحوا في الآونة الأخيرة على درجة من الثراء تتيح لهم الاستهلاك بمعدلات تتساوى مع معدلات الأميركيين.
فهؤلاء السكان يمتلكون خُمس عدد السيارات الموجودة في العالم الآن. وبحلول عام 2010، سوف يصبحون مالكين لثلث عدد السيارات الموجودة في العالم.
ويقول الدكتور "مايرز" معلقا على ذلك: "إذا ما كان هؤلاء المستهلكون يريدون شراء الكثير من الكمبيوترات والأجهزة فهذا شيء حسن بشكل عام، ولكن عندما يتعلق الأمر بالسيارات فهنا يجب أن نقف، وأن نحذر بالقول إن التكاليف البيئية ستكون باهظة".
وبخلاف "ريكيتس" وجماعته، يقوم "مايرز" بإدخال عنصر الطاقة في معادلته. فعلى مستوى العالم نجد أن أثر