أثارت "معركة الدستور" في لبنان مؤخراً أسئلة كبيرة وخطيرة، وفتحت أبواباً سيكون إغلاقها معقداً أو مستحيلاً. وجاء ذلك في مرحلتنا العربية، التي ربما اتسمت بخصوصيتين اثنتين، لا يمكن غض النظر عنهما بسبب أنهما حاسمتان. أما الأولى فتتحدد في أن المرحلة المذكورة تتجسد بـ"حُطام" شامل وعميق؛ في حين تتمثل الثانية في كون العالم العربي "مُستباحاً" عُمقاً وسطحاً، ومن الداخل كما من الخارج. وقد برزت تينك الخصوصيتان بكيفية حادة في الأيام المنصرمة، حيث ظهرت صراعات سياسية وقانونية، وإلى حدّ ما دينية وثقافية بين الولايات المتحدة وفرنسا من طرف، وبين لبنان وسوريا من طرف آخر؛ إضافة إلى توجيه تهديدات عسكرية ضد البلدين العربيين المذكورين من قبل إسرائيل.
لقد بدأت "معركة الدستور" اللبناني في الإفصاح عن ملامحها الأولى، حين أخذت ولاية الرئيس اللبناني الحالي تدخل في مرحلة عدّها العكسي. ففي هذه الأثناء ظهر من اللبنانيين، سياسيين ونوّاباً في البرلمان وغيرهم، مَنْ بدأ يسوّق فكرة جديدة مفادها أن "المرحلة العربية واللبنانية الراهنة المصيرية" تستوجب استمرار الولاية الرئاسية للحفاظ على "الثوابت الوطنية والقومية"، التي حوفِظ عليها من قِبل الرئيس الحالي، مما يفضي - بالضرورة- إلى القول بضرورة استمرار الرئيس تجديداً أو تمديداً، ومن ثم بتعديل الدستور اللبناني. وينبغي القول ها هنا بأن دعاة التجديد أو التمديد لم يقلّلوا من شأن الخراب الهائل، الذي اجتاح الوضع الداخلي اللبناني على امتداد السنوات الست من ولاية الرئيس "إميل لحّود"، اقتصاداً وقضاء ومؤسسات وكرامات وتعليماً... إلخ. ولكنهم أعلنوا أن هذا لا يجبُّ ذاك ولا يقلّل من أهميته المبدئية العظمى؛ ذلك لأن الأولوية لـ"الثوابت الوطنية والقومية" المتمثلة في مواجهة المشروع الأميركي- الصهيوني، وفي الحفاظ على "الأمن الوطني والقومي". وبهذا، فإن أولئك عادوا إلى ما اعتبر "شعاراً استراتيجياً" عربياً منذ تقسيم فلسطين ونشأة الكيان العنصري فيها، وهو: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!
إن تحليلاً استراتيجياً دقيقاً لذلك الخطاب يقتضي القيام بتفكيكه والكشف عن بنيته ووظائفه. فإذا جاءت الدساتير العربية - خصوصاً منها ما برز في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تحقق فيها الاستقلال لبلدان عربية متعددة منها لبنان- نتيجة لكفاح وطني وقومي عربي يؤمّن حق السيادة والتغيير الديمقراطي، ويضبط آليات النظام السياسي والمجتمع السياسي والمدني في هذه البلدان، فإنها (أي الدساتير) بدأت تمر بحالة من القضم والتهميش والإقصاء وأخيراً الإلغاء تحت أسماء متعددة مستمدة من ضرورات "الشعار" المذكور. وكان ذلك قد برز خصوصاً حين جرى التعبير عنه بـ"قانون الطوارئ" وبـ"الأحكام العرفية" وبـ"حق الرئيس في التعديل" وفق "ضرورات المعركة القومية والوطنية، أي الأمن القومي والوطني".
هذا أولاً. أما ثانياً، فقد اتضح ما أراد استراتيجيو النظم العربية حجبه من الفكر السياسي العربي، وهو أن "الأمن" المذكور إنما هو أولاً أمن البلد والوطن الاقتصادي والقضائي والسياسي والتعليمي. ومن ثم، فإن حديثاً على "أمن وطني وقومي" لا يمر باستحقاقات داخل كل بلد عربي إنما هو -على الأقل- خطاب قاصر خاطئ معرفياً، ناهيك عن أنه خطاب ملفق زائف مراوغ يقوم على تسويغ حالتين اثنتين، إنهاء صور التداول للرئاسة وما يلحق بها، والتمكين لاستمرارية الحطام برعاية طواقم الفساد والإفساد المعشّشة كالجراد.