ثقيل جداً على الوجدان هذا الذي حصل في روسيا، فالإرهاب أسقط حرمة المدرسة، حرمة الأطفال، حرمة الأبرياء غير الوالغين في السياسة والحرب. بعد إسقاط طائرتين مدنيتين بتفجيرهما، وبعد مذبحة مدرسة "بيسلان" في أوسيتيا الشمالية، نحو سبعمائة جثة تراكمت خلال أسبوع لتذكّر روسيا والعالم بمأساة الشيشان المنسية. لكن، في حرارة الانفعال أمام الموت العاري المتلفز، هل تذكر أحد الشيشان؟ لا شيء مؤكد. الصدمة قذفت الجميع في أتون الاستنكار والغضب إزاء "الإرهاب" السافر كأنه مجرد تمرين آخر على الضراوة، كأنه استعراض آخر للقدرة على التوحش والقتل الاعتباطي الرخيص.
ثمة "عولمة" للإرهاب في ما نشهده، وهناك أيام تضيق معها أعمدة الصحيفة بما يكتظ فيها من جثث، ولا تعود حتى الصور المباشرة للفضائيات قادرة على استيعاب الحدث. تصبح الكارثة في كل بيت، فلا كلمات تكفي لاستنكارها ولا دموع تكفي لمواكبتها، ولا إدراك يرقى إلى مستوى استنطاقها، لماذا؟ لماذا تذبح الرهينة نحراً طالما أنها تحت رحمة محتجزها، لماذا التمثيل بالجثة، لماذا هذا القتل بدم بارد، لماذا التنكر والإنكار لبراءة الأبرياء، ولماذا هذا التجاهل لضعف المستضعفين، بل لماذا هذه الانتحارية ومن أين أتت ومن الذي وجد لها مسوغات واستنبط لها جدوى؟
إذا لم يطرح الحدث مثل هذه الأسئلة، وإذا لم تبذل محاولات للإجابة، فهذا لا يعني سوى استدعاء المزيد من مثل هذه المذابح. من السخف والغشم والحمق اختزال المسألة بأن زمراً من الرعاع والمهووسين، المتطرفين المتخلفين، المجرمين المتعطشين للدماء، يمارسون هوايتهم السوداء الدموية. ومن السذاجة والتسرع والمبالغة اعتبارهم أبطالاً وأصحاب قضية ومقاتلين من أجل الحرية. إنهم مجرد يائسين أقفلوا على أنفسهم كل أفق بعدما توارثوا خيبات الأمل، فعادوا إلى بدائية الموجهة، العين بالعين، لا شيء عندهم يخسرونه، كل شيء عند الآخر مستباح ومرشح للتصفية والتدمير. إذاً، فهناك قضية تحركهم، هم ليسوا بالضرورة أصحابها الشرعيين لكنها تحركهم، أو هم يستغلونها في الفوضى المسلحة التي باتت مشروعهم الوحيد.
من فلسطين إلى العراق إلى الشيشان وأفغانستان إلى الساحات الأخرى التي تعشش فيها النار تحت الرماد، تكثر المظالم وسط إخفاقات ذريعة لكل قيم يمكن أن يدعيها العالم الحر الحديث. "إرهاب" الدولة ينافس حسّ الدولة ومفهومها ويعجز عن حماية نفسه وسمعته، هارباً من المسؤولية التي تحتمها السياسة، لكن حسن السياسة وحده يمكن أن يحمي الجميع ويخمد حمأة العنف. غير أن السياسة شيء تجهله إسرائيل عندما تلتئم حكومتها لتصبح مجلس قتلة يناقش أعضاؤه الخطة المثلى لقتل أكبر عدد من الفلسطينيين، أو لسرقة أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية، أو لتدمير أكبر عدد من البيوت وتدمير أكبر عدد من الأشجار أو لإقرار آخر الابتكارات في التعذيب والإذلال والتنكيل. ولا شك أن السياسة شيء عطلته روسيا في تعاملها مع الشيشان، وخصوصاً في إبعاد الصحافة والإعلام عما يحدث من فظائع يومية في الشيشان. والسياسة شيء تجهله الولايات المتحدة عندما تتوقع من العراقيين والأفغان، ومن الفلسطينيين أيضاً، أن ينسوا أن لها يداً وكانت لها يد دائماً في مآسيهم التي طالت ولا تزال تهدد مستقبلهم كشعوب ودول.
جدل عقيم وعابث ذاك الذي يفترض أن مثل هذا المنطق يصب في "تبرير" الإرهاب. لا، ليس في مذبحة المدرسة الروسية ما يمكن تبريره وقبوله، ولا في نحر العمال النيباليين وقتلهم في العراق. ولكن، طالما أن الموت أصبح في "عصر 11 سبتمبر" على هذا النحو من التلقائية والتفاهة، فلابد أن تطرح الأسئلة الصحيحة، وإلا فإن ثمة خيانة معلنة ومؤكدة لدم الأبرياء. هذه المواجهة بين "إرهابيي" الكهوف و"إرهابيي" المكاتب لا يمكن أن تستمر بلا بوصلة، بلا "خريطة طريق"، بلا ضوء في آخر النفق. نعم، برهن "إرهابيو" الكهوف أن ليس عندهم ما يقدمونه سوى العنف والفوضى ولا علاقة لهم بالعصر أو بالمستقبل، المهم أن يبرهن "إرهابيو" المكاتب أن لديهم خيارات أخرى حقيقية يمكن أن تراهن عليها الشعوب، وإلا فإن ذهابهم "القسري" إلى "الإرهاب" سيصبح طبيعتهم الثانية.
لكي تستقيم الحرب على "الإرهاب"، وتفلح في تحقيق أهدافها، أصبح عليها أن تثبت أن عنف الدولة مختلف عن "الإرهاب" الموصوف. ولا يمكن للولايات المتحدة إقناع أحد بصواب مكافحتها لـ"الإرهاب" وهي تكيل المكافآت لإرهابيي أرييل شارون. كما لا يمكن لروسيا أن تقنع أحداً بأنها "مظلومة" طالما أن العالم يعرف ما تفعله في الشيشان وهو يفوق كل "إرهاب" موصوف.