عندما أطلق الجيش المصري عمليته العسكرية لتطهير سيناء من الجماعات التكفيرية التي ارتكبت جريمة اغتيال 17 جندياً مصرياً، أثناء صلاة المغرب في رمضان، أبدت إسرائيل مباركة كبيرة لهذه العملية من ناحية ولم تظهر أي معارضة لها من ناحية ثانية. كان المتوقع أن تجري العملية دون تشويش من جانب إسرائيل، ذلك أن القتلة قد استولوا على مدرعة مصرية بعد قتل الجنود واقتحموا بها الحدود الإسرائيلية وبالتالي فقد هللت المصادر السياسية والإعلامية في إسرائيل مساندةً العملية باعتبارها تصب في مصلحة الأمن الإسرائيلي بقدر ما تصب في مصلحة الأمن القومي المصري. عندما تصاعدت بعض الأصوات في مصر تطالب بتعديل معاهدة السلام (الشهيرة باتفاقية كامب ديفيد في الصحافة المصرية والإسرائيلية)، للسماح لمصر بإدخال أسلحة ثقيلة، أبدى الإسرائيليون اعتراضهم على الطلب، لكنهم في المقابل أكدوا على المستوى الرسمي أنهم لا يعترضون على قيام مصر بإدخال الدبابات المصرية إلى منطقة العريش ورفح لإتمام عملية التطهير التي حملت اسم "نسر". الغريب أن الصحف الإسرائيلية بدأت خلال اليومين الأخيرين تسريب أنباء تفيد بأن تل أبيب غير راضية عن وجود الدبابات المصرية في شمال سيناء وأن نتنياهو نفسه أرسل رسالة شديدة اللهجة إلى القاهرة، بواسطة واشنطن، يطالبها فيها بسحب الدبابات المصرية والتوقف عن إدخال قوات عسكرية إلى سيناء من دون التنسيق المسبق مع إسرائيل، لأن في ذلك انتهاكاً خطيراً لاتفاقية السلام بين الجانبين. إن الأمر يبدو غريباً لأول وهلة، خاصة أن وزارة الدفاع الإسرائيلية كانت قد أصدرت بياناً رسمياً في بداية العملية "نسر"، تبرر فيه إدخال مصر الدبابات إلى شمال سيناء بقولها إن مصر صاحبة السيادة على سيناء وهي تدخل السلاح في إطار هذه السيادة. جاء هذا البيان ليسكت أصوات الإعلام الإسرائيلي التي تحفظت على إدخال الدبابات المصرية. فما الجديد الذي غير موقف الحكومة الإسرائيلية؟ يمكننا أن نلاحظ تفسيراً غير مقنع في تقرير لصحيفة "معاريف"، تقول فيه إن إسرائيل شكَت لواشنطن انكماش تراجع التنسيق الأمني الوثيق بين الاستخبارات المصرية والإسرائيلية في أعقاب التغييرات التي أطاحت بالمشير طنطاوي وسائر القيادات العسكرية القديمة، وهو أمر غير صحيح. وفي تقديري، أن خشية إسرائيل الحقيقية تتعلق ببقاء الدبابات المصرية بعد انتهاء العملية "نسر"، وبالتالي فهي تلجأ إلى هذه الجلبة وافتعال مشكلة التنسيق مع مصر تحضيراً وتمهيداً للمطالبة مع نهاية العملية بسحب الدبابات فعلياً. أما الموقف الحالي فهو في الحقيقة موضع رضا الإسرائيليين الذين وافقوا على إدخال طائرات الأباتشي المصرية للمشاركة في العملية صراحة. لقد قامت مصر بإخطار إسرائيل بإدخال هذه الدبابات كما أنها ردت على الرسالة الإسرائيلية المطالبة بسحب الدبابات بقولها إن مصر تحترم معاهدة السلام غير أنه من حقها حماية حدودها وأراضيها. أعتقد أنه آن الأوان كي يدرك الإسرائيليون أن تعديل اتفاقية السلام بما يسمح بوجود عتاد ثقيل بجوار الحدود الإسرائيلية أمر لا يضر إسرائيل بل إنه إجراء مطلوب لحماية الأمن المصري من انتشار المنظمات التكفيرية.