وسط معارك القذف وتشويه السمعة المحتدمة الآن في سياق الحملة الانتخابية الأميركية، علينا أن نتذكر أن الأميركيين بشكل عام يتفقون على أن الهدف الأول لأمتهم، وهو إقامة نظام عالمي مؤسس على الديمقراطية والأسواق المفتوحة، هو الهدف الذي يوفر أفضل الضمانات لأمن أميركا وحريتها.


بيد أن سياسة الولايات المتحدة في العراق، كشفت عن خلاف جوهري حول ما إذا كان الأفضل هو تحقيق الهدف المشار إليه من خلال القوة العسكرية، أم أن النموذج الأميركي، أي ما تمثله أميركا من إلهام للعالم، هو الخيار الأفضل والأنسب لتحقيق ذلك الهدف المنشود.


وخلال فترة حكم إدارة بوش، وبشكل خاص منذ الحادي عشر من سبتمبر، كان المنطق الأول( القوة العسكرية) هو السائد. فتحت تأثير المسؤولين الأميركيين –الذين يشار إليهم في معظم الأحيان باسم (المحافظين الجدد) – العاملين في البنتاجون، ومن خلال مجلس الأمن القومي ومكتب نائب الرئيس ديك تشيني، كان النهج المفضل في السياسة الخارجية هو استخدام القوة العسكرية كخيار متقدم، والاستنكاف عن التعامل مع الحلفاء، والابتعاد عن المنظمات والمعاهدات الدولية، والتركيز على الشرق الأوسط، ونسيان كل ما عداه.


والناخبون هم الذين سيحكمون بأنفسهم على ما إذا كان هذا النهج قد حقق مردودا طيبا أم لا، بيد أن هناك الكثيرين ممن يرون أن النهج الذي اتبعته الإدارة في سياستها الخارجية، منذ أن جاءت إلى الحكم يمثل انحرافا عن نهج آخر ناجح عمره نصف قرن، ظهر عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. دعنا في هذا السياق نسأل: من الذي أرسى دعائم النظام العالمي الذي قام خلال هذه الفترة: الأمم المتحدة، الناتو، صندوق النقد الدولي وغيرها؟.. الولايات المتحدة بالطبع هي التي أرست تلك الدعائم.. ولكن المحافظين الجدد يذهبون إلى القول بأن الحادي عشر من سبتمبر قد غير كل شيء، وإنه قد جعل السياسات السابقة تبدو عتيقة.. وهو رأي يدعو للاستغراب في الحقيقة.


فإذا ما قمنا بقراءة ميزانية السياسة الخارجية للولايات المتحدة، أي ما لها وما عليها، فإن النتيجة التي سنتوصل إليها ستبدو قاتمة.


السبب في ذلك لا يرجع فقط لأن الوهم الذي عاش فيه المحافظون الجدد بشأن العراق الديمقراطي قد تبخر، وأن أفضل ما نأمل في تحقيقه في العراق الآن هو تحقيق هدنة قلقة تتم المحافظة عليها من قبل حاكم أوتوقراطي في بغداد.. وإنما يرجع أيضا لحقيقة أن الضرر الذي وقع كان أوسع نطاقا مما يعتقد الكثيرون. فسيطرة موضوع الشرق الأوسط على أذهان المستويات العليا في الإدارة الأميركية، واستئثاره بجل وقتهم، أدى إلى إهمال مجموعة كبيرة من الموضوعات الأخرى على رغم أهمية تلك الموضوعات.


كم من الأميركيين يدرك على سبيل المثال أن الصين قد وصلت الآن إلى حد الحلول محل الولايات المتحدة كقوة قائدة في شرق آسيا؟.. وهي الحقيقة التي تجلت بوضوح أثناء المفاوضات التي جرت حول موضوع كوريا الشمالية. فهذه المفاوضات تمت في بكين، ووفقا لأجندة وضعتها بكين، وبما يتماشى مع مصالحها. وعملية استنزاف القوات الأميركية في كوريا بسبب حرب العراق، سوف تعزز من تحول تلك المنطقة باتجاه الصين، كما ستؤدي إلى تعريض وضع تايوان المكشوفة أصلا أمام التهديد الصيني للخطر.


وفي مكان آخر، سوف نجد أن أفغانستان تمضي في طريق التحول إلى دولة يقوم اقتصادها بشكل أساسي على زراعة المخدرات. والاستفتاء الذي جرى على رئاسة هوجو شافيز في فنزويلا الدولة الغنية بالنفط بدأ وانتهى دون أن يحرك الأميركيون ساكنا.. والنزعة الاستبدادية المتصاعدة في روسيا تمضي بكل حرية، والعلاقات بين جانبي الأطلسي تتعرض إلى توتر غير مسبوق، وموجة العداء لأميركا تتصاعد في جميع أنحاء العالم. وفي الشرق الأوسط الأوسع نطاقا تقوم إيران بالمضي قدما في برنامجها النووي، في نفس الوقت الذي تصل فيه قدرة أميركا على احتوائها عسكريا إلى أدنى درجاتها.


ليس هناك حلول جاهزة للتحديات المذكورة. فمن الدروس الأساسية التي تعلمناها من خلال التجربة الدبلوماسية ضرورة الشك في أي إنسان يدعي أن لديه حلولا جاهزة وسهلة للمشاكل.. ولكن ماذا نفعل إذا ما كان النموذج الحالي الذي نقوم بتطبيقه لا يقدم لنا أي مردود ؟.


لقد قدم لنا المحللون بعض الحلول التي تحمل مسميات رنانة، والذي قد يبدو أي اقتراح نقوم بتقديمه وكأنه شيء تافه ولا قيمة له إلى جانبها. ومع ذلك، فإن ما نود قوله في هذا السياق أن التاريخ الدبلوماسي للولايات المتحدة، يحفل بالأمثلة على الإدارة الناجحة للأزمات والكوارث ومنها على سبيل المثال: احتواء ترومان المبكر للعدوان السوفييتي، واجتماعات القمة البارعة التي عقدها ريجان مع الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل جورباتشوف، والحنكة التي تعاملت معها إدارة بوش الأب مع موضع توحيد