لا يوجد في الحقيقة تعريف محدد ومتفق عليه لمعنى الإرهاب أو تصنيف دولي محدد له. بيد أنه من الممكن تصنيف "الإرهاب" بناءً على الأهداف والغايات المنشودة من ممارسته. فالأهداف والغايات التي قد ينشدها "الإرهابيون" كثيرةٌ جداً ومتنوعة، وما يعنينا منها فقط هو الأهداف والغايات السياسية، فنحن هنا بصدد الحديث عن "الإرهاب" السياسي بشكل خاص، أي الممارسات "الإرهابية" التي تهدف إلى تحقيق أهداف وغايات سياسية. وظاهرة "الإرهاب" في الحقيقة ليست جديدة، فهي قديمة قدم الإنسانية، وهي ليست مقتصرةً على شعوبٍ أو أمم بعينها، بل إنها تمارس من قبل مختلف شعوب الدنيا، وإن كان التركيز في عالمنا المعاصر ينصب على المسلمين الأصوليين بشكل خاص. و"الإرهاب" هو وسيلة عنيفة من وسائل التعبير عن أهدافٍ وغاياتٍ معينةٍ في حالة فقدان الوسائل السلمية البديلة أو الشعور من قبل ممارسي "الإرهاب" بعدم فاعليتها. فهو عبارة عن حرب استنزاف منظمة ولكنها ليست نظامية، تقوم بها جماعات لا تحمل كينونة شرعية معترف بها. ويعرف بعض المحللين "الإرهاب" بأنه "الاستخدام العشوائي اللاتمييزي للعنف بغية تحقيق أهداف وغايات سياسية معينة". بيد أن هذا التعريف قد ينطبق على بعض صور الإرهاب، ولكنه تنقصه الدقة والشمول عند تعميمه، حيث إننا نجد أن هناك كثيراً من الممارسات والأنشطة التي يتم تصنيفها عالمياً على أنها أعمال "إرهابية" وهي، في الحقيقة، أنشطة منظمة تنظيماً دقيقاً وهادفاً، وليست عشوائيةً، وإن كانت غير مشروعة، إلى درجة اتهام بعض الأنظمة السياسية وأجهزة المخابرات بالضلوع في دعمها ومساندتها بشكل مستتر. ومن أبرز الأمثلة على ذلك اتهام الولايات المتحدة الأميركية لنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بدعم ومساندة تنظيم القاعدة. وكذلك وقوف النظام الأفغاني السابق (طالبان) ومساندته ودعمه لتنظيم القاعدة ورفضه تسليم زعيم التنظيم إلى الولايات المتحدة الأميركية. كما أن هناك أنشطة تصنف من قبل بعض الدول على أنها "إرهابية"، وهي في الحقيقة تعلن أهدافاً وغايات مشروعة، مثل جهاد الفلسطينيين عن أرضهم ومقدساتهم، وما شابه ذلك من أنشطة. وأن هناك أنشطة "إرهابية" تعلن عن أهداف وغايات ليست سياسية، بل قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك. وأن هناك صوراً من الإرهاب تمارسها بعض الدول (أي إرهاب الدولة)، ولكن المجتمع الدولي يقف عاجزاً عن تصنيفها في زمرة الإرهاب، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يقوم به العدو الصهيوني من ممارساتٍ إرهابيةٍ ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وما تقوم به بعض الأنظمة السياسية المستبدة ضد شعوبها. وأيضاً ما تقوم به بعض الدول من حروب غير مبررة. وهناك صور فردية غير منظمةٍ للإرهاب أيضاً تهدف إلى تحقيق مصالح شخصيةٍ محضة. بل إن كافة عصابات الجرائم المنظمة من الممكن تصنيفها في زمرة الإرهاب.
ولقد شكلت أحداث 11 سبتمبر 2001 لحظةً تاريخيةً حاسمةً، في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية. فإذا ما قمنا بإجراء حسابات اقتصاديةٍ دقيقةٍ، وأخذنا بعين الاعتبار تكلفة الفرصة البديلة، والتكاليف المستقبلية، والتكاليف المادية والمعنوية معاً، والتكاليف الداخلية والخارجية، والتكاليف السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والتربوية، والتكاليف المباشرة وغير المباشرة، والتكاليف الظاهرة والتكاليف المستترة، فسوف نجد أن أحداث 11 سبتمبر 2001 قد ألحقت بالولايات المتحدة الأميركية أضراراً قد تفوق تكلفتها تكلفة بعض الحروب التي خاضتها منذ نشأتها. فليس من المستغرب إطلاقاً أن يعلن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، بعد الأحداث مباشرةً، أن تلك الأحداث ليست مجرد "إرهاب" وإنما هي "حرب". والحقيقة أنها مزيج بين الاثنين معاً. ولذلك نجد أن المجتمع الدولي بأسره لم يقف ضد حرب أفغانستان ولا العراق. ولقد قامت الولايات المتحدة الأميركية بإجراء تغييرات هيكلية في الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والإعلامية والتعليمية والتربوية، ولكنها في الوقت ذاته لم تقم بإجراء تغييرات هيكليةٍ في فهمها للإسلام ورسالته السامية بشكل عميق ومتوازن مع تلك الأحداث والتغيرات، وإن كان الشعب الأميركي قد ازداد سعيه وميله تجاه فهم الإسلام، بيد أن تلك تظل جهوداً فرديةً وليس عملاً سياسياً منظماً. والآن وبعد مضي 3 سنوات على الأحداث، وما أعقبها من حروب ضد "الإرهاب"، ألا يجدر بعقلاء الولايات المتحدة الأميركية والغرب بشكل عام وراشديهم ونخبهم السياسية ومثقفيهم أن يقفوا مع أنفسهم وقفة محاسبةٍ دقيقةٍ ويزنوا أعمالهم بميزان التكلفة والعائد المادي والمعنوي والأخلاقي والحضاري، ويعيدوا قراءة التاريخ. ولماذا لا يكون خيار الجنوح للسلم خياراً مطروحاً ضمن البدائل الاستراتيجية، ليس مع "الإرهابيين"، ولكن مع المسلمين وقضاياهم المشروعة التي يطالبون بها، كالقضية الفلسطينية؟
في الحقيقة لقد لاحظنا كيف وقفت الدول الغربية من دعوة زعيم تنظيم القاعدة إلى التفاوض مع الغرب وقفةً