لعدة شهور دأب أخي "جون زغبي" على تسمية انتخابات هذا العام في أميركا بـ"انتخابات نهاية العالم". وسبب هذه التسمية، أن أخي يرى أن كلا من الجمهوريين والديمقراطيين، يتصرف الآن بطريقة توحي وكأن الفوز بتلك الانتخابات أو خسارتها، أصبح يعني نهاية العالم.
وظهرت هذه الصورة بشكل واضح خلال مؤتمر الحزب الجمهوري الذي عقد في الأسبوع الماضي، عندما تجمع الآلاف من أنصار الحزب في حديقة "ماديسون سكوير" للهتاف للرئيس "بوش"، والتحذير من أخطار تولي "كيري" للرئاسة، في الوقت الذي زحف فيه عشرات الآلاف من المتظاهرين الديمقراطيين نحو مقر الحزب للتعبير عن مشاعر الغضب التي يشعرون بها تجاه الرئيس "بوش"، وقلقهم الشديد على مصير العالم إذا ما تم انتخابه لفترة رئاسة ثانية.
وفي الوقت الذي يصر فيه أنصار الرئيس "بوش" على أن قيادته القوية والحاسمة لأميركا قد جعلتها أكثر أماناً، فإن أنصار "كيري" يردون على ذلك بالقول إن أحادية "بوش" الأيديولوجية قد كلفت الولايات المتحدة فقدان خسارة الحلفاء، وجعلتها بالتالي أقل أمناً على عكس ما يدعي الجمهوريون.
من ناحية أخرى، تذهب الإدارة إلى أن سياسة الخفض الضريبي التي اتبعها الرئيس "بوش"، قد أدت إلى تقوية الاقتصاد، وساهمت في تعزيز النمو الوظيفي، في حين أن الديمقراطيين يعارضون ذلك، ويقولون إن تلك السياسة لم تخدم سوى الأغنياء، وإنها تسببت في عجوزات ضخمة أثرت تأثيراً خطيراً على معدلات الإنفاق على الخدمات الاجتماعية في البلاد. وقد ركزت إعلانات الحملة الانتخابية، والخطب التي تتردد فيها على إبراز تلك الاختلافات بين المرشحين. فبالنسبة للجمهوريين يعتبر "كيري" شخصاً ضعيفاً، غير ثابت على المبدأ، ولا يمكن الوثوق بقيادته في وقت الحرب. أما الديمقراطيون من جانبهم فيرون أن "بوش" قد كذب على الأمة بشأن العراق، وقاد البلاد إلى حرب تفتقر إلى الدعم الدولي، ولم تكن لديه خطة واضحة للتعامل مع الأوضاع في فترة ما بعد الحرب. وفي الشهر الماضي، أدلت زوجة "كيري" بتصريح قالت فيه إنه إذا ما قام الأميركيون بإعادة انتخاب بوش فإن الولايات المتحدة "ستعيش أربع سنوات إضافية من الجحيم". ويلاحظ أن الاستراتيجية التي اتبعها كل حزب في إدارة الحملة الانتخابية الحالية تختلف كثيراً عن الانتخابات السابقة.
ففي الانتخابات السابقة قام كل من الديمقراطيين والجمهوريين بالتأكد أولا من تأييد أنصارهم التقليديين، ثم انطلقا بعد ذلك لتركيز جهودهما على الناخبين الآخرين المترددين الذين لم يحزموا أمرهم بشأن المسائل السياسية المختلفة. وكان هذا المنطق على وجه التحديد هو الذي قدم "الطريق الثالث" للرئيس السابق "كلينتون"، وهو الذي قدم فلسفة الجمهوريين الجديدة لـ"جورج بوش" والخاصة بمبدأ "المحافظة المتعاطفة".
ومنذ عقود قليلة كان هناك من انتقد عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين سياسات الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وطالب بإعادة تعريف لسياسات الحزبين بشكل يؤدي إلى توفير خيارات حقيقية للناخبين، وإلى إطلاق مناقشة حقيقية وأصيلة حول المسائل الداخلية والخارجية التي تهم الأمة. وكان "عدم الوضوح" هذا هو الذي ساعد على إتاحة الفرصة لظهور مرشحين مستقلين من اليسار واليمين. في حين أن ما يبدو أمامنا حتى الآن من وقائع الحملة الانتخابية الحالية، هو أن المرشحين المستقلين سواء من اليسار أو من اليمين لن يكونوا قادرين سوى على تجميع نسبة ضئيلة من أصوات الناخبين.
والجمهوريون والديمقراطيون ليسوا راضين كلهم عن عملية تعيين الحدود الدقيقة بين سياسات الحزبين التي تمت هذا العام. فبعض مرشحي الحزبين يشعرون أن حزبيهما قد تخليا عنهما في مسائل جوهرية، كما أن هناك جماعات أخرى- من بينهم الأميركيون من أصل عربي- تشعر بقلق عميق، بسبب غياب أي حوار جوهري بشأن الموضوعات الرئيسة وخصوصاً موضوع الشرق الأوسط.
بيد أن الأمر المؤكد مع كل ذلك، هو أن الحملة الانتخابية الحالية تأخذ الآن وبشكل مطرد شكل رؤى متصارعة حول دور الحكومة الأميركية في توفير الرخاء العام، والطريقة التي يجب أن تتصرف بها في الشؤون الدولية. وتبدو المخاطر كبيرة في هذا السياق، إذا ما عرفنا أن كل حزب لا يكتفي الآن بالتشكيك في سياسات وقدرات الحزب الآخر، وإنما في شرعيته أيضاً. وفي هذه الحالة فإن وصف أخي "جون" للانتخابات الحالية بأنها تبدو كما لو كانت انتخابات نهاية العالم يصبح وصفاً صحيحاً.