عندما حلت الذكرى الثالثة للانتفاضة الفلسطينية تطوع عدد لا بأس به من العقلاء بالقول إنها قد أخفقت في تحقيق أهدافها، وإنها قد أضرت الفلسطينيين أكثر مما نفعتهم، وإن إيقافها من ثم هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهداف النضال الفلسطيني. وبغض النظر عن صحة هذه الأحكام من عدمها فإن أحداً من أولئك العقلاء لم يجشم نفسه مشقة إلقاء نظرة على الأداء الإسرائيلي في مواجهة المقاومة، فحتى لو كانت الانتفاضة قد أخفقت في تحقيق أهدافها فإن إسرائيل من المنظور الاستراتيجي ليست في وضع أفضل بكثير، لأنها بدورها قد أخفقت في تحقيق أهدافها• ألم يكن هدفها الاستراتيجي الذي طلب شارون مائة يوم فقط لتحقيقه مر منها قرابة الألف يوم هو كسر إرادة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني؟ وهل يمكن الاختلاف على أن هذا الهدف لم يتحقق حتى الآن بغض النظر عن التكلفة الباهظة التي تحملها الشعب الفلسطيني؟ وهي تكلفة تحملتها راضية في خبرات معاصرة كل الشعوب التي ناضلت من أجل استقلالها، وبالتالي يمكن القول -ولو بدرجة من درجات المبالغة- بأن ثمة توازناً إسرائيلياً-فلسطينياً من المنظور الاستراتيجي حتى الآن•
وفي الأسبوع الماضي وقع حدث جسيم أكد إفلاس الأداء الإسرائيلي في مواجهة المقاومة• نفذت العملية الاستشهادية في حيفا رداً على مظالم إسرائيلية لا تحتمل، فردت حكومة إسرائيل بضرب سوريا• تأملت طويلاً في مدى الإفلاس الذي تعكسه هذه الخطوة الإسرائيلية بعد أن أعيت الحيل شارون على الرغم من كل ما يمتلكه من قوة• رد في أول الأمر وما يزال على الانتفاضة بالبطش بلا حدود فلم يحقق هدفه، فبدأ يلصق التهم بالرئيس ياسر عرفات بخصوص مسؤوليته عن عمليات المقاومة التي يسميها شارون بالإرهاب، متقوياً في هذا برؤية أميركية-إسرائيلية مشتركة، وبالذات في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر• اجتاح بقواته مقر عرفات، وبدأ يعمل فيه الهدم والتخريب دون جدوى، فبدأ أخيراً يتحدث عن طرده، ولولا الشعور بأن هذه العملية قد تكلف إسرائيل ثمناً سياسياً باهظاً لتمت لكي يكتشف شارون بعد برهة أن عرفات ليس مصدر المقاومة، بل لعله عامل كبح لها، وهو اكتشاف لابد أن بعض مساعديه على الأقل -مهما كانت درجة العقم في تفكيرهم الاستعماري- قد توصلوا إليه، لكن شارون يتصور أن القضاء على ياسر عرفات يمكن أن يحل المشكلة، مع أن هذا العمل سوف يجعل منه شهيداً ورمزاً لأجيال فلسطينية قادمة، أو في الحد الأدنى فإن طرده خارج وطنه قد يطلق يده من قيود الحصار الإسرائيلي والعربي في آن واحد•
الآن يعلن شارون أن سوريا هي السبب في العمليات الإرهابية ، وذلك من باب تسويغ الضربة الإسرائيلية الأخيرة لها، أو لعله لم يتوصل إلى مثل هذا الاقتناع ولكن إخفاقه في قمع الانتفاضة طول هذه المدة جعله ينحو هذا النحو، ولو بإرضاء الرأي العام الإسرائيلي، والخطورة فيما وقع ليس في الضربة ذاتها، وإنما في دلالتها الاستراتيجية: إننا أصبحنا إزاء حكومة عدوانية لا تتورع عن فعل أي شيء دونما استئذان لمجرد شراء رضا الرأي العام الإسرائيلي• ولو تخيلنا السيناريو القادم لمستقبل الصراع العربي-الإسرائيلي في ظل التصعيد الأخير لأمكننا أن نتوصل إلى ما يلي: سوف تستمر المقاومة الوطنية للاحتلال بالتأكيد بل وتتصاعد، ولن تفلح هذه الضربات الحمقاء في وقفها، وسوف يضطر شارون استمراراً لمحاولته كسب المصداقية ورضا الرأي العام الإسرائيلي إلى أن يؤكد على مواقفه السابقة: أن الحل يكمن في القضاء على مصادر دعم الإرهاب التي تتمركز خارج الأراضي الفلسطينية، وهنا ستتكرر الضربة الإسرائيلية لسوريا ولغيرها وهذا الغير يمكن أن يكون لبنان أو حتى مصر• أليس سوريا هي التي تحتضن الإرهابيين ؟ أليس لبنان هو موطن حزب الله الذي قهر الاحتلال الإسرائيلي في سنة ،2000 وما زال صامداً حتى الآن بدعم من الدولة اللبنانية؟ ألا تتحدث مصادر الجيش الإسرائيلية ساعة كتابة هذه السطور عن أنفاق حددتها بثلاثة عشر نفقاً تستخدم لتهريب الأسلحة إلى المقاومين عبر الحدود المصرية•
وعندما تتكرر الضربات الإسرائيلية لدول بعينها في المنطقة سوف يصبح الخطر محدقاً بنا، بمعنى أننا سوف نكون بين خيارين: أولهما تفادي التصعيد والقبول بالهيمنة الإسرائيلية بزعم أننا لا نملك شيئاً إزاء هذا التصعيد، وأننا بحاجة إلى الاستقرار، وخاصة أن الإدارة الأميركية الراهنة تشارك إسرائيل رؤيتها تماماً، ولا تكتفي بعدم إدانتها بسبب اعتدائها الأخير على سوريا، وإنما تؤكد أن ما فعلته حكومة إسرائيل هو عمل من أعمال الدفاع الشرعي عن النفس، بل وتصل إلى الحديث عن قانون محاسبة سوريا• أما الخيار الثاني فهو قبول التحدي -أي رفض الهيمنة واعتبار أن الاستقرار لا يبنى إلا على توازن المصالح على أقل تقدير• لا أعتقد أن الخيار الأول وارد أصلاً إذا كنا نفترض أن النظم العربية الراهنة راغبة في البقاء السياسي ، لكن ثمة جدلاً واجباً حول الخيار الثاني: قبول التحدي، والمقصود بقبول التحدي هنا هو توجيه تهديد عربي لإسرائيل بأن تكرار