نحن نحب أن نقضي عطلاتنا في أوروبا، ولكننا عندما نقوم بالتفكير في أوروبا المؤسساتية، أي أوروبا باعتبارها مؤسسات، فإن الصورة التي ترد إلى أذهاننا على الفور هي صورة لمجموعة عتيقة متداعية من مؤسسات الحكم المترنحة فوق صهوة اقتصاد محتضر، والمصابة بوباء التحيز ضد حرية الأسواق، والمبتلاة بسياسات العمل غير المرنة، وببيروقراطيات الرفاه المترهلة، والسكان المسنين المدللين، والتي تشكل في النهاية ما يطلق عليه قادة أميركا السياسيون وخبراؤها الاقتصاديون (تصلب الشرايين الأوروبي). وعلى رغم أن كثيراً من الأميركيين ينظرون إلى القارة الأوروبية على أنها قارة عجوز، نائية، لا يستطيعون- وهم الذين يقطنون في قارة لا تزال في ريعان شبابها- التواصل معها بسبب الافتقار إلى لغة مشتركة، فإن الحقائق الموجودة على الأرض، وفي المدن، والأحياء، والتجمعات، وقاعات اجتماعات مجالس إدارة الشركات والمؤسسات، وأروقة السلطة، تشير كلها إلى حالة تختلف تمام الاختلاف عن الحالة التي اعتدنا – نحن الأميركيين- تخيّلها عندما نتحدث عن القارة الأوروبية. وإذا ما كان الأميركيون يبالغون إلى حد الإفراط في تقدير قيمة نمط حياتهم، ويضفون عليه في الكثير من الأحيان مزايا لا يستحقها، فإنهم يقومون من ناحية أخرى بالتهوين من شأن مخزون أوروبا وتراثها الحضاري، ويبخسونه حقه. وما نريد قوله باختصار هو أن أميركا غير واعية، كما أنها ليست مستعدة على ما يبدو- حتى الآن على الأقل- لمواجهة التغيرات الشاملة التي تعمل بشكل حثيث على تغيير شكل قارة أوروبا، وتحويلها من قارة تتكون من مجموعة من الدول المتباينة، المتنافسة، والتي خاضت حروباً ضد بعضها بعضاً في الماضي، إلى كيان جديد تماماً، يمكننا أن نطلق عليه دون أي قدر من المبالغة اسم (الولايات المتحدة الأوروبية).


 حقائق غائبة


 بداية، دعونا نبدأ بسرد بعض الحقائق التي قد تغيب عن أذهان الكثيرين منا. الحقيقة الأولى: هي أن غالبية الناس في العالم لا تزال حتى هذه اللحظة تعتقد أن الاقتصاد الأميركي هو أكبر اقتصاد في العالم- وهو اعتقاد غير صحيح على الإطلاق. والصحيح هو أن الناتج المحلي لدول الاتحاد الأوروبي، والذي يبلغ في مجموعه 10.5 تريليون دولار، قد أصبح يفوق الناتج المحلي للولايات المتحدة الأميركية بمقدار 100 مليار دولار. حسناً هذا عن الاقتصاد، ولكن ماذا عن التجارة؟ في مجال التجارة أيضاً، سنجد أن الإحصاءات التي تطالعنا بالغة الدلالة، لأنها تكشف لنا عن حقائق جديدة سوف تغير فكرتنا عن الكثير من الأشياء التي كنا نعتبرها بمثابة الحقائق الراسخة. ماذا ستكشف لنا هذه الإحصاءات؟ ستكشف لنا مثلا، أن أوروبا التي يبلغ عدد المستهلكين فيها 455 مليون إنسان، قد أصبحت تمتلك أكبر اقتصاد داخلي على مستوى العالم بأسره في الوقت الراهن، بل وإنها قد تحولت إلى أكبر قوة اقتصادية في هذا العالم، وإن عملتها (اليورو) قد غدت أقوى من الدولار الأميركي. كل ذلك أصبح بمثابة الحقائق الثابتة التي لا سبيل إلى إنكارها، والتي كان الخبراء الاقتصاديون الأميركيون، لا يتخيلون إمكانية تبلورها في الواقع العملي على الإطلاق منذ أربع سنوات فقط.


مقارنات خاطئة


يقودنا ذلك إلى سؤال آخر هو: ما هو السبب الذي يجعل معظم الأميركيين لا يبدون اهتماماً كافياً بالتغييرات الدراماتيكية التي تتم في أوروبا في الوقت الراهن. ولماذا لا يتابعون خطاها وهي تمضي في طريقها نحو تحقيق الاتحاد السياسي والاقتصادي الكامل لدولها؟ الإجابة على هذا السؤال هي أن عدم قيام معظم الأميركيين بذلك يرجع في الأساس إلى خلل في الإدراك، أو خلل في الطريقة التي يفهم بها الأميركيون الأمور. ولكن ما سبب ذلك الخلل؟ سببه في رأيي هو أننا نحن معشر الأميركيين- ومعنا معظم الأوروبيين كذلك- ما زلنا نقوم حتى هذه اللحظة بالمقارنة بين كل دولة أوروبية على حدة من جانب، وبين الولايات المتحدة الأميركية من الجانب الآخر، عندما نقارن بين القوة السياسية والاقتصادية لكليهما. ولكن المقارنة بهذا الشكل خاطئة، ولن تفيدنا بشيء، كما أنها ستفقد أهميتها مع مرور الوقت وتصبح غير ذات صلة. ويرجع السبب في ذلك إلى أن الدول الأوروبية المختلفة قد أصبحت تشكل أجزاء من كيان جامع هو الاتحاد الأوروبي، تماما كما أن الولايات المختلفة تشكل أجزاء من الكيان الجامع المعروف باسم الولايات المتحدة الأميركية. وهذا التغيير في أسلوب الإدراك، وفي النظر إلى الأمور، هو الذي سيغير الطريقة التي نقوم باتباعها عند إجراء المقارنات بين أوروبا والولايات المتحدة، وهو الذي سيضمن سلامة الاستنتاجات التي سنتوصل إليها عندئذ. فعلى سبيل المثال، وبدلا من القيام بالمقارنة بين ألمانيا وحدها وبين الولايات المتحدة، فإننا يجب أن نقوم بالمقارنة بينها وبين ولاية واحدة فقط من الولايات الأميركية مثل كاليفورنيا على سبيل المثال، على اعتبار أن الاق