سقطت جميع الدعاوى الأميركية والإنجليزية بشأن امتلاك العراق أسلحة تدمير شامل والظن بأن له علاقات مع تنظيم "القاعدة". وقد ظهر زيف الدعوى الأولى بعد فترة قصيرة على احتلال العراق، في حين أن تقرير لجنة ملابسات هجمات11/9/2001 تكفل بالقضاء على الدعوى الثانية، إضافة إلى أن 27 من الدبلوماسيين والعسكريين القدامى أعلنوا أن الإدارة الأميركية الحالية "قادت الولايات المتحدة إلى حرب مكلفة سيئة الإعداد دون نهاية واضحة".
وفي الفترة منذ الآن وحتى نوفمبر 2004 موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية قد يستطيع رئيس وزراء إسرائيل أرييل شارون شن هجمات مدمّرة على حياة الشعب الفلسطيني وممتلكاته، وبخاصة بعد أن صرح وزير خارجيته بأن إسرائيل لن تولي قرار المحكمة الدولية في لاهاي أي اهتمام بشأن الجدار "الأمني" وبعد أن صرح في باريس بأن فرنسا ستنظر في تدابيرها ضد السامية. ومن المؤكد أن بلاد الحرية والمساواة تتبرأ من هذه التهمة.
والوجود الإسرائيلي في العراق، ما ظهر منه وما بطن، يجسّد اتجاهاً أساسياً في السياسة الخارجية الأميركية. فالتمكين لإسرائيل من فرض مشروعها الصهيوني في الشرق الأوسط نفهمه على أنه أحد الأهداف الأميركية من وراء الحرب على العراق. فلقد تحوّل هذا البلد العربي بعد الاحتلال الأميركي إلى ساحة مفتوحة للإسرائيليين الذين جاءوا إلى العراق ليؤكدوا أن مخابراتهم تعمل نشيطة وتدير عمليات سرية ضد سوريا ولبنان وإيران، وأن هدفهم هو إقامة وحدات مغاوير في شمالي العراق لتوازن ميليشيات الشيعة في الجنوب.
وعندما وضع ليكوديو الإدارة الأميركية الحالية ورقة عمل في أواسط عام 1996، غدت هذه الورقة وثيقة من وثائق إدارة جورج بوش الابن. وتقول هذه الورقة/ الوثيقة إن "مستقبل العراق سيحمل تأثيراً عميقاً على الميزان الاستراتيجي في الشرق الأوسط. فمعركة السيطرة على العراق وإعادة تشكيله ستكون معركة السيطرة على ميزان القوى في كل منطقة المشرق العربي على المدى الطويل...". وعلى هذا فالاحتلال الأميركي للعراق سيطول طالما أن عدم الاستقرار وفقدان الأمن سيكونان بعض حجج الاحتلال كي يطيل بقاءه في حين أن الاحتلال نفسه هو سبب عدم الاستقرار وفقدان الأمن. وقد يتفتت العراق في حروب أهلية قبلية ومذهبية وعرقية بمثل ما فعلت دول استعمارية سابقة حين رسمت حدود دول المشرق العربي.
وكي تخدم الإدارة الأميركية الحالية إسرائيل وتزيح من طريق خريطة الطريق قوة عربية كان الإصرار الأميركي على ضرب العراق ومن ثم احتواء سوريا ولبنان وإيران بتهديدها أميركياً وإسرائيلياً ومحاصرتها. وفي هذا ذريعة أخرى للاحتلال كي يضع يده على منابع النفط العراقي.
كان منتظراً من إسرائيل أن توظّف أحداث 11/9/2001 لخدمة مصالحها، فوظّفتها باسم "مكافحة الإرهاب" بما يضمن لها تأييداً وحماية أميركيين وتعاطفاً أوروبياً متدرجاً وصمتاً عالمياً وعجزاً عربياً. وكانت إسرائيل المحرِّض الأول والأساس للإدارة الأميركية الحالية كي تشنّ حرباً على العراق دون تردد أو تأخير. لقد صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي بأن تغيير النظام في العراق "سيجلب الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط ويشكّل تحذيراً إلى سوريا وإيران كي تنهيا دعمهما للإرهاب... ومن المرجح أن يلقى الزعيم الفلسطيني مصير النظام في العراق".
إن ضرب العراق – كما تمّ – يساعد إسرائيل، وكذلك الإدارة الأميركية الحالية، على أن تفرضا شروطهما في المنطقة، وبخاصة أن إسرائيل قد أصبحت شريكاً عملياتياً للولايات المتحدة في عدوانها على العراق، فقد آوت إسرائيل بعض الأسلحة والآليات الأميركية، ولا تزال الإدارة الأميركية الحالية وإسرائيل تتبادلان المعلومات والخبرات حتى بلغ الأمر حد ضمان الإدارة الأميركية الحالية أمن إسرائيل والموافقة على سياساتها وخططها الاستعمارية.
ولعل الهدف الأكبر لهذا "التنسيق" الأميركي/ الإسرائيلي هو تحقيق "الترانسفير" بحيث يكون العراق أحد الأماكن التي قد ينتهي إليها "التنسيق" بعد أن أجّل بوش الابن تنفيذ مرحلة اللاجئين إلى عام 2005، وبخاصة أن فوضى الحرب قد تدفع بإسرائيل إلى أن ترتكب مزيداً من الجرائم ضد الشعب العربي الفلسطيني.