ألقت العولمة والمنافسة الاقتصادية الدولية والبحوث المقارنة، أضواء جديدة على عملية التنمية ومشاكلها وثغراتها في "العالم الثالث"، أو ما كان يسمى بهذا الاسم، بعد أن اختلط الحابل بالنابل، فغزت مصانع البلدان المتقدمة مدن وأرياف هذا العالم، وصار مهندسو الهند وأهل الحاسوب فيها، وهم في ديارهم، امتداداً للقوى الإنتاجية... في الولايات المتحدة وربما ألمانيا! في ترجمته لكتاب "التنمية حرية"، للعالم الاقتصادي الهندي "أمارتيا صن"، يعترض المترجم شوقي جلال على استخدام كلمة "تنمية" Development نفسها، ويرى أن من الأفضل استخدام كلمة تطوير، ذلك لأن "التنمية زيادة كمية" على المستوى الأفقي، وتختزلها في زيادة الدخل وإجمالي الناتج المحلي، مع بقاء الحال على ما هو عليه من حيث المستوى الحضاري. هذا بينما "التطوير زيادة كيفية" على المستوى الرأسي، انتقال كيفي إلى مرحلة حضارية جديدة شاملة الإنتاج والإنسان ومقدراته وقدراته وفرص حياته... ومن ثم، ليس المطلوب زيادة رقمية للإنتاج القومي أو للدخل الفردي فحسب، بل بناء أساس مادي علمي وتقاني جديد، قرين فكر وثقافة جديدين، وصوغ عقل جديد لإنسان مجتمع جديد. التطوير عملية توسيع في الحريات والقدرات الموضوعية للناس في التعليم وفي الصحة وفي السياسة، وفي الاقتصاد وفي البحوث العلمية.
غير أن الأستاذ جلال لا يلتفت إلى العلاقة القوية بين التنمية والتطوير حتى بالمفاهيم المقترحة. فحتى لو كانت التنمية مجرد إضافة كمية بحتة في البنية التحتية والحياة الإنتاجية، إلا أنها ضرورية لتحقيق التطوير أو الرفاه العام. فكيف مثلاً يتقدم التعليم دون زيادة عدد المدرسين والمعلمين ودون تطوير شبكة الطرق والصحة العامة؟ وكيف تتقدم الصناعة دون "تنمية" المؤسسات المالية والإعلانية وشركات النقل؟
وتتدخل عوامل اجتماعية في تحديث بعض مجالات الحياة. وكثيراً ما ينسى الناس أن نسبة المتعلمين في اليابان كانت أعلى منها في أوروبا حتى أثناء "إصلاح ميجى" في منتصف القرن التاسع عشر، وقبل أن يبدأ التصنيع هناك. كما استفادت دول المعجزة الآسيوية من بعض خصائصها الاجتماعية في تحقيق معجزتها. وهذا يقوض إلى حد كبير، في رأي "صن"، الاعتقاد الذي هيمن على كثير من الدوائر السياسية، والذي يقضي بأن التنمية البشرية هي في الحقيقة نوع من الترف الذي لا تستطيعه سوى البلدان الغنية: إن البلد، أي بلد، ليس بحاجة إلى الانتظار إلى حين يكون أكثر ثراء (من خلال عملية نمو اقتصادي على مدى فترة قد تطول كثيراً) ثم بعدها يشرع في التوسع بخطى سريعة في مجالات التعليم الأساسي والرعاية الصحية. إن نوعية الحياة يمكن الارتفاع بها كثيراً على الرغم من انخفاض الدخول، وذلك من خلال برنامج ملائم للخدمات الاجتماعية. مثال ذلك واقع في ولاية كيرالا الهندية التي حققت ارتفاعاً مهماً في متوسط الأعمار المتوقعة مع انخفاض الخصوبة وارتفاع نسبة التعليم وغير ذلك من إنجازات على الرغم من انخفاض مستوى الفرد من حيث الدخل.
وقد لا يترك حتى نقص التغذية في الناس كل هذا التأثير المتوقع. إذ عايشت بريطانيا مثلاً خلال فترة الحربين العالميتين الأولى والثانية ظروفاً غذائية قاسية، فهل أحدثت السياسات التنظيمية التي رافقتها فارقاً حقيقياً بالنسبة إلى الصحة والبقاء على قيد الحياة؟
لقد أكدت دراسات تفصيلية عن التغذية خلال الحرب العالمية الثانية أنه على الرغم من أن نصيب الفرد المتاح من الطعام نقص كثيراً في بريطانيا إلا أن تأثير ذلك على استمرارية الحياة كان محدوداً، بل وأكثر من هذا انخفضت بشدة حالات نقص التغذية، واختفت تقريباً مظاهر نقص التغذية الحاد، وانخفضت بشدة أيضاً نسبة الوفيات (إلا ما يتعلق منها بالحرب بطبيعة الحال)... وحدث شيء مماثل خلال الحرب العالمية الأولى!
ومن الظواهر شديدة الارتباط بالوضع في بعض بلدان العالم الثالث المجاعات. وتعكس المجاعات حالة أزمة مشتركة، وإن لم تعكس بالضرورة أسباباً مشتركة. والملاحظ بالنسبة للفئات الاجتماعية التي لا تنتج غذاءها بنفسها، مثل العمال الصناعيين وعمال الخدمات، أن قدرتهم على تحصيل غذائهم من السوق رهن بالوضع الاقتصادي. ويضطر بعض الناس إلى بيع أغذية مرتفعة الثمن، مثل المنتجات الحيوانية، لشراء سعرات حرارية أرخص من الحبوب الغذائية على نحو ما يفعل فقراء الرعاة في الغالب. وطبيعي أن يتعرض مثل هذا التوازن الهش إلى متاعب إن تغيرت معدلات التبادل كهبوط أسعار المنتجات الحيوانية مقابل الحبوب، فتعم الكارثة الرعاة. وحدث في بعض المجاعات في أفريقيا التي أصابت بقوة، من بين من أصابتهم الرعاة، أن اشتملت على عملية من هذا النوع. ويمكن أن يؤدي الجفاف إلى انخفاض في السعر النسبي للمنتجات الحيوانية مقابل الأغذية الأخرى بسبب تجنب الناس البضائع المكلفة. وقد تنجم المجاعة في بلدان العالم الثالث عن البطالة، فمجاعة عام 1974 في بنغلادش وقعت خلال عام توافر فيه الغذاء بنسبة أكبر من حيث نصيب الفرد. وبدأت المجاعة بحدوث بطالة إقل