منذ خروج الإسلام من "البطن الصحراوي" إلى عالم المدن والسواحل، وهو يتعرض لعملية توطين تكسبه مواطنية مختلفة، وفق "مذاهب" تعددت مصادرها "المحلية" وفق قاعدته الآخذة في الاتساع... وبينما اتسم بتمركز المذهبية في "قلب" الأمة الإسلامية غالباً فيما يمكن أن تقول إنه المشرق، فقد تعددت المذهبية في الأطراف الصحراوية والساحلية، بشكل ملفت. وها نحن نتعرف في "قلب" هذا العالم لقرون، على الشريعة السنية، أو "السلفية الشرعية" بتفسيرات لم تتجاوز المذاهب الأربعة كثيراً، بل وراح كل قُطر في هذا "المركز" يؤكد على ارتياحه المحدود إلى "المالكية" أو "الشافعية" أو "الحنفية" و"الحنبلية"، بما يتحقق بقدر أو آخر من القدرة على التسامح.. هكذا مضت الحال لقرون بين بغداد ومصر حتى أجزاء كبيرة من المغارب. ولكن "البطن الصحراوي" الأفريقي لم يمض به الحال بهذه البساطة.. لقد فرت إليه طوال الوقت أفكار، مؤهلة للتفتت، والتطرف، ساعدت ظروف كثيرة على عنفوانها في كثير من مراحل الحياة الصعبة في أقاليم "الصحراء الأفريقية" بوجه خاص، وأقوى و"أتون" الصحراء لأن الإسلام عاش في سلام المريدية والصوفية في الغرب الأفريقي "الساحلي" بقدر ما عانى أبناؤه في الصحراء من أشكال التشدد، على رغم تسمية هذه الصحراء "بدول الساحل"! ربما كانت "المواجهة المركزية" في "القلب الإسلامي" للحروب الصليبية، وحتى عملية التحديث، هي التي حمت عالم الإسلام المتماسك هنا لفترة طويلة، حتى وهو يشهد حالة "الإصلاح الديني" أو "النهوض" الوطني لحركة الجامعة الإسلامية "الأفغاني" أو العودة للمواجهة مع ما سمي بالصليبية الجديدة أي الاستعمار والإمبريالية. ولكن الوضع الأفريقي.. كان مختلفاً بدوره، فقد تأخرت "الحالة الصليبية" نسبياً، وكان وصول الإسلام وانتشاره الكبير قد تأخر أصلاً انتظاراً لجهود "المغاربة" أو الشمال الأفريقي، بعد سقوط الأندلس، بل وبدا الغرب الأفريقي منقذاً في أجواء الهروب إليه عبر مدارس التصوف و"المهدوية". ومن المؤسف أن المواجهة مع "التحديث الغربي" أو بالأحرى معالجة "الحالة الغربية" في وجهها الثقافي صارت على نفس درجة عنف "الاجتهاد" السياسي معوقاً لإمكانيات "التعامل المتقدم" مع هالة "التحديث" الضروري لتقدم هذه الشعوب، حتى وهي تواجه الاستعمار. وفي ملاحظات دقيقة سجلت عنه أكثر من مرة لمثقف أفريقي منذ أربعينيات القرن التاسع عشر وهو "إدوارد بلايدن" في كتاب له عن المسيحية والإسلام في أفريقيا (1841) أن الإسلام قد بدا له "توحيدياً" بين الأعراق والقبائل في صحراء الغرب الأفريقي، بينما بدت له المسيحية في نفس المنطقة الغربية، تحديثية بالأساس. بل إن المسيحية التي طرحها الغرب في المنطقة تنكسر دائماً أمام موجات التدين الإسلامي في صيغته المحافظة، أو الصوفية الأفريقية الانعزالية، وقد دفعه هذا التحليل لزيارة بلاد المشرق والأزهر ليتفهم كيف تعامل بقية العالم الإسلامي مع "التحديث"، لأن عملية التعليم كانت هي رسالته، في ليبيريا وسيراليون ونيجيريا، وهو دائماً في مواجهة المسلمين. هذه المقدمة هي التي تكشف الآن القراءة المضطربة للمذاهب والطرائق الإسلامية بعدما طالها عالم "التسييس" المضطرب بدوره، ذلك أن الانتقال من "التدين" بدرجاته إلى عالم السياسة، ووضع أحدهما في خدمة الآخر يؤمم كليهما في الغالب لفضاء الاضطراب. وفي الغرب الأفريقي، مثل الشمال العربي الأفريقي، لا تكشف التجربة عن تحول جذري لحقائق شعوبها إلى "التغيير الثوري" المنشود.. هكذا عانت "الجهادية" و"الصوفية" من الجمود في غرب أفريقيا عقب انتهائها من معركة الاستعمار كمعركة "وطنية"، وإذا بها تقبل السياسة الاستعمارية نفسها للعزل والتفتت السياسي خلافاً لما يلاحظه "بلايدن" مبكراً، فتغيبها القوى الاستعمارية هذه عن بناء "الدول الوطنية" وفق سياسات تحديثية كان يعرفها الخبراء الاستعماريون والأنثروبولوجيون من أتباعهم، ليبقى "المجاهدون" وكلاء السيطرة الاستعمارية، وليسوا و كلاء عملية التحديث في طريق "الدولة الوطنية". هذه كانت نهاية مدرسة "عمر تال" و"عثمان دان فوديو"، و"الكانمي" و"ماء العينين" من موريتانيا والسنغال حتى مشارق نيجيريا. ولا نريد هنا النظر في مجال الحركات المهدوية في بلاد العرب! فهؤلاء وغيرهم الكثير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عرفوا الأصول الصوفية والسنية والجهادية لحركتهم ضد الاستعمار، وإذ بهم يتمترسون في أعقاب المعركة في مفهوم للدين أي بالانعزال الصوفي أو تبعية المدارس المهدوية والسلفية الأخرى لـ"السياسة" الاستعمارية التي قاتلوها من قبل، على نحو ما حدث في مدارس الشمال النيجيري الموالية للإنجليز، ناهيك عن نهايات المهدي والجزائري والسنوسي المعروفة في الشمال والشرق. إن ما يرعب الآن حقاً هو ما يجري في "البطن الصحراوي" لإسلام الغرب الأفريقي متمثل في "مالي" تحديداً، والذي تلتقي فيه فجأة مأساة الإسلام الأفريقي الممتد من جنوب الجزائر وليبيا إلى موريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو ونيجيريا.. بما يذكر بالمقارنة مع حالة الإسلام السني والصوفي قبل انهيار الجهاد ضد الاستعمار.. وقراءة ما يجرى من الصراع في المنطقة "الطوارقية" بين حركة التحرير "آزواد" و"أنصار الدين"، والسلفية الجزائرية والموريتانية من خلفهما، إلى قلب الصحراء الأفريقية، كل ذلك يعيدنا إلى أواسط القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشرة. ثمة دراسات أنبه الباحث العربي إليها قبل أن ننتقل إلى أثر الموقف الأفريقي على الحالة العربية نفسها، دراسة لـ"طارق رمضان" عن "المعادلة السلفية" (أوائل عام 2012 على مواقع مختلفة)، وهو كاتب متمرس فيما يكتب بالطبع عن الشرق الأوسط ومحيطه ودراسة لثقة آخر هو الراحل المجتهد "حسام تمام" عن "الغرب الأفريقي الإسلامي... واللقاء بين الفقهاء والمتصوفة" (أواخر 2010). وللأسف لا مساحة لعرضهما بالتفصيل، لكن الأول يعالج مشكلة النصوصية وثبات الثنائيات بين الحلال والحرام، وأن "الغرب يعرقل حصول بعض التوجهات الإصلاحية التي تنتقد السياسات الغربية على المصداقية الدينية"، وأن أفضل استراتيجية غربية لتفرقية المسلمين هي تفرقتهم على أسس دينية... وخطورة البحث في ربط بين ما يجري في الشمال الأفريقي وبقية غرب أفريقيا، تحت مسميات السلفية والصوفية والجهادية... إلخ. أما "حسام تمام" فإنه يفاجئنا بمجالات النقاش في منطقة الغرب الأفريقي حول السلفية والصوفية والمريدية والإمامة، دون أي حضور مشرقي فكري -إلا وجوده الشخصي- ذلك في "المحظرة" الموريتانية التي يبدو من النص أنها مصدر حركة ومعاناة لتفجرات ممتدة من جنوب الصحراء إلى قلب الصحراء.. ويلفت النظر إلى الحوار المفتوح أفريقياً بين الصوفية والتشيع.