أشعلت مسألةُ الرئاسة اللبنانية جدالاً داخلياً لبنانياً منذ أكثر من أربعة أشهُر بعد أن استقرَّ في وعي سياسيين لبنانيين كثيرين أنّ الرئيس الحالي أميل لحود والذي تنتهي ولايتُهُ في 22 نوفمبر هذا العام، يرغب في التجديد لفترةٍ جديدةٍ مدتُها ست سنوات، بدعمٍ من سوريا التي تعتبر نفسها الناخب الأكبر أو الأوحد في البلاد منذ اتفاق الطائف في عام 1989. وينصُّ الدستور اللبناني، المعدَّل باتفاق الطائف السالف الذكر، على انتخاب رئيسٍ للجمهورية من جانب المجلس النيابي لمدة ست سنوات ولمرةٍ واحدة. بيد أنّ سائر رؤساء لبنان منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1943 حاولوا التجديد لأنفُسهم من خلال تعديل الدستور، أو المادة 49 منه، والتي تنصُّ على المنع السالف الذكر بالقول: تُعدَّلُ هذه المادة استثنائياً ولمرةٍ واحدةٍ بحيث يحقُّ لهذا الرئيس أو ذاك أن يترشَّح مرةً ثانية. وقد حدث ذلك للمرة الأولى عام 1948 عندما انتُخب الرئيس الاستقلالي الأول بشارة الخوري لمرةٍ ثانية، ما استطاع إنهاءَها بسبب تنظيم سياسيين لبنانيين مسيحيين ومسلمين إضراباً عاماً وتظاهرات انتهت باستقالته دون إكمال مدته عام 1952. وفي عام 1958 تسلَّل إلى سَمْع الطبقة السياسية اللبنانية (والمسيحيين منهم على الخصوص) أنّ الرئيس كميل شمعون، الذي تزعم المعارضين على بشارة الخوري، يريد التجديد لنفسه أيضاً من طريق تعديل الدستور، بعد التدخل الكثيف في انتخابات مجلس النواب عام 1957 لتأمين أكثرية التلثين الضرورية لتعديل المادة الدستورية، تمردوا عليه أيضاً وسط ظروفٍ معقدةٍ آنذاك، بسبب الصراع الناشب في المنطقة بعد أزمة السويس، وحلف بغداد، والوحدة بين مصر وسوريا، وسقوط النظام الملكي بالعراق. وقد استجابت الولايات المتحدة وقتَها لطلب الرئيس شمعون التدخل العسكري للحفاظ على استقلال لبنان، في وجه تدخلات دولة الوحدة المصرية/ السورية. لكنّ أميركا خيّبت أمل شمعون عندما تفاوضت مع جمال عبدالناصر على انتخاب رئيسٍ جديدٍ للبنان كان قائد الجيش اللبناني اللواء فؤاد شهاب. وبذلك كان اللواء شهاب أول رئيسٍ للبنان من أصول عسكرية، كما كان الرئيس الأول الذي تدخلت بوضوحٍ في انتخابه أطرافٌ عربيةٌ ودولية.
وفي عام 1964 تنادت مجموعةٌ من السياسيين للطلب من الرئيس شهاب التجديد لنفسه؛ في حين عارضت ذلك أقلية مسيحية من أنصار شمعون، أو من أنصار التزام النصّ الدستوري. لكنّ الرئيس شهاب قطع الجدال بالإعلان عن عدم إرادته التجديد لنفسه، والانتصار لشارل حلو أحد معاونيه، الذي اشتدت في عهده حدَّةُ المشكلات مع إسرائيل بسبب ظهور وصعود المقاومة الفلسطينية المنظمة في مواجهتها انطلاقاً من لبنان. وفي عام 1970 انتُخب الرئيس سليمان فرنجية بأغلبيةٍ ضئيلةٍ على خلفية اهتماماتٍ محلية مفادُها إنهاء العهد الشهابي، الذي تضمن رئيسين: شهاب وحلو، بحجة اعتداء أجهزة الأمن السري على المؤسسات وحريات المواطنين في فترتيهما. وما استطاع الرئيس سليمـان فرنجيـة إكمال فتـرة رئاسته بسلامٍ إذ بدأت "الحربُ الأهليةُ" في ربيع عام 1975 بانفجار الصراع بين الميليشيات المسيحية والفلسطينيين، وانحياز قوى إسلامية وقومية/يسارية إلى الفلسطينيين في النزاع، بعد اضطراباتٍ داخلية، وغارات إسرائيلية في ما بين العامين 1972 و1975.
منذ عام 1967 صارت إسرائيل هي الذراع الأميركية الضاربة في المنطقة، وصار النزاع العربي/ الإسرائيلي هو محور الاهتمامات في المشرق العربي بعد حرب أكتوبر عام 1973 نصف الناجحة. ولذلك فقد ظهرت الاضطرابات في لبنان باعتبارها بدايات الردّ الإسرائيلي/ الأميركي لتصفية نتائج حرب أكتوبر وبدء الخلاف بين مصر وسوريا. وخوفاً من استمرار القتال بين الأطراف المحلية، وانصراف الفلسطينيين إليها بدلاً من تطوير المقاومة ضد إسرائيل؛ فقد قررت الجامعةُ العربيةُ بعد عدة اجتماعاتٍ إرسال "قوات الردع العربية" المكوَّنة من جيوش عدة دولٍ على رأسها سوريا، لوقف النزاع، وإعادة تنظيم الأمور مع الفلسطينيين. لكنْ مع انفجار الصراع بين مصر وسوريا، عندما أعلن السادات عن الذهاب إلى القدس، انسحبت قوات الردع العربية باستثناء السوريين، لانكسار الإجماع العربي حول طريقة حلّ النزاع في لبنان (بسبب وجود العنصر الفلسطيني المقاتل الذي ما عاد أحدٌ يجرؤ على التصدي له عَلَناً في ظلّ عودة الكفة الإسرائيلية للرجحان بعد خروج مصر من الصراع). ولذلك فقد انفردت سوريا بالملفّ اللبناني وبموافقة المسلمين وقوى مسيحية عديدة. وفي ظلّ الظروف القاسية هذه ناصرت سوريا المجيء برئيسٍ شهابيٍ (إلياس سركيس) جديد أساساً للمصالحة والوسطية، باعتبار أنّ القوى المسيحية الأُخرى (غير الشهابية) شاركت في النزاع ضد الفلسطينيين والقوى الوطنية اللبنانية الأُخرى. بيد أنّ الهجمة الإسرائيلية استمرت وسط تشجُّعٍ بإقبال مصر على السلام المنفرد، وإرادة كسْر الفلسطينيين وسوريا. ولذلك فقد انتُخب رئيسان للبنان على التوالي تحت وطأة الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982: بشير ال