في مرحلة المد القومي التي امتدت بين منتصف خمسينيات القرن الماضي وهزيمة يونيو 1967 لعبت الجماهير العربية دوراً فاعلاً في التغييرات السياسية الجذرية التي كان الوطن العربي يمر بها آنذاك، وربما لا تعرف الأجيال الجديدة من الشباب العربي -أو بعضها على الأقل- الدور المحوري الذي لعبته هذه الجماهير في تطويق مخطط حلف بغداد وإفشاله على سبيل المثال، وكان يرمي إلى ربط البلدان العربية بدءاً بالعراق بسلسلة الأحلاف الغربية التي كان هدفها الاستراتيجي هو إحاطة الاتحاد السوفييتي بسياج من الأحلاف العسكرية توقياً لمخاطر انتشار الشيوعية، وقد قادت مصر يومها الحملة المناهضة للحلف على أساس أنه يتعارض واستراتيجية الأمن القومي العربي. وكانت ثمة بلدان مرشحة بالتأكيد لأن تحذو حذو العراق، غير أن حركة الجماهير المعادية للحلف أجبرت حكام هذه البلدان على الامتناع عن الانضمام إليه، ولم يقدر لهذا الحلف من ثم أن يحقق هدفه الاستراتيجي، بل لقد سقط النظام العراقي الذي ارتضى ذلك الانضمام بعد مدة قصيرة، واختفى الحلف من الخريطة السياسية العربية إلى الأبد. ثم لم تلبث الجماهير العربية في كل مكان تقريباً في الوطن العربي أن مثلت دعماً فعلياً هائلاً لمصر في معركتها الوطنية التي بدأت بتأميم شركة قناة السويس في 1956 رداً على سحب الولايات المتحدة عرض تمويل السد العالي الذي تمحورت حوله في ذلك الوقت آمال التنمية الشاملة في مصر. ووصلت هذه المعركة ذروتها بالعدوان الثلاثي البريطاني- الفرنسي- الإسرائيلي في نهاية أكتوبر من السنة نفسها. وكانت نتيجة هذا كله وصول حركة المد القومي العربي ذروتها، وتكرر الأمر نفسه في تأييد الجماهير العربية حرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي حتى حققت الجزائر استقلالها، وضغطت الجماهير السورية من أجل إنجاز الوحدة مع مصر، وليس هذا سوى غيض من فيض. مع هزيمة يونيو 1967 لعبت الجماهير العربية آخر أدوارها الفاعلة بالصمود في وجه الهزيمة، والإصرار على استمرار جمال عبدالناصر في تولي مسؤولياته، بعد أن كان قد قرر التنحي عن موقعه لمسؤوليته الكاملة عما جرى، ثم دخلت هذه الجماهير مرحلة سبات عميق بعد الهزيمة التي قد يكون لها أثر قوي ومباشر أحدث تلك السلبية وذلك السكون في حركة الجماهير العربية. وربما يكون لرحيل قائدها الكاريزمي عبدالناصر في 1970 أثر مشابه، بالإضافة إلى الضعف البين في الجانب المؤسسي لحركة الجماهير العربية بمعنى غياب المؤسسات التي يمكن أن تنظم هذه الحركة وتحقق لها الفاعلية، وكذلك الإفقار الذي تعرضت له الجماهير في عدد غير قليل من البلدان العربية بسبب السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة آنذاك، وأدى هذا الإفقار إلى انشغال الجماهير بقوتها اليومي. وأخيراً وليس آخراً لعب القمع المفرط الذي لجأ إليه بعض الأنظمة العربية دوراً مع العوامل السابقة في إحباط الجماهير وشل فاعليتها. لا يعني ما سبق أن الجماهير العربية لم يكن لها أي حضور في تلك المرحلة، وعلى سبيل المثال فقد تفاعلت مع الانتفاضتين الفلسطينيتين في السنوات الأخيرة من ثمانينيات القرن الماضي وفي مطلع القرن الحالي فيما عرف بانتفاضتي الحجارة والأقصى، غير أن الحضور الجماهيري العربي كان غائباً في أحداث خطيرة مثل الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982، وضعيفاً كما في كل من واقعتي الغزو العراقي للكويت في 1990 والغزو الأميركي للعراق في 2003، وقصير النفس كما في الانتفاضة ضد الرسوم المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام. واعتباراً من نهاية 2010 بدا أن الجماهير العربية تدشن مرحلة جديدة من تاريخها بانتفاضة الشعب التونسي ضد حاكمه ونجاحه في إجباره على الرحيل من تونس في مدة وجيزة نسبياً، وتلاها بأسابيع قليلة الشعب المصري الذي نجح بدوره في إجبار حاكمه على التنحي عن منصب الرئاسة عقب ثمانية عشر يوماً فحسب من حركة الجماهير التي أخذت في التصاعد والانتشار حتى نجحت في تحقيق أهدافها. وشهدت بلدان مثل اليمن وليبيا وسوريا حركات جماهيرية مشابهة حققت أو تكاد تحقق هدفها، بالإضافة إلى عدد آخر من البلدان العربية شهد حركات جماهيرية تطالب بالتغيير، وأمكن احتواؤها بشكل أو بآخر، وهكذا بدا أن الجماهير العربية قد نفضت عنها غبار السكون وبدأت تسترد فاعليتها على نحو قد يبدو أقوى من مرحلة المد القومي. غير أن هذا الأمل أخذ يتبدد بالتدريج تحت وطأة عوامل مهمة مثل انقسام الجماهير على نفسها، كما يظهر من الانقسام بين التيار الديني الإسلامي والقوى المدنية، وغياب قيادة واعية تستطيع أن تقود حركة الجماهير، ولذلك بدا عجز هذه الحركة عن تحقيق أهدافها العامة، كما أن عجز النظم الجديدة التي أمسكت بالسلطة في المرحلة الراهنة عن إحداث تغييرات ملموسة تلبي احتياجات الجماهير وبالذات الاقتصادية قد لعب دوراً في التطورات التي طرأت على حركتها. وهكذا استُدرِجَت حركة الجماهير إلى مواقف جزئية تطالب بالوفاء بمطالب معينة لقطاعات منها حتى وإن كان بعض هذه القطاعات شديد المحدودية في عدده، كما فقدت هذه الحركة اتجاهها العام، ثم بدأ التطور الأسوأ وهو لجوء هذه الحركات الجماهيرية المبعثرة إلى ما يضر الوطن بصفة عامة، ويتجاهل الاعتبارات الإنسانية تماماً، وساعد على هذا عدم استرداد سلطة الدولة فاعليتها، وعلى سبيل المثال فقد شاع في مصر سلوك مؤداه أن تلجأ أي جماعة مهما كانت محدودة العدد إلى قطع الطرق غير عابئة بما سوف يصيب الاقتصاد الوطني أو مصالح الأفراد من أضرار جسيمة. ويلفت النظر في هذا الصدد تهافت أسباب هذه الأعمال، فمن يعاني من صعوبة في توفير الغاز للأغراض المنزلية يقطع الطريق، ومن يشكو من انقطاع التيار الكهربائي يقطع الطريق أيضاً، وهكذا. وبلغ الأمر حد الإجرام عندما تسببت مجموعة من الركاب في حادث لقطار احتجاجاً على تأخر القطار الخاص بهم مما أدى إلى إصابة عدد من الأشخاص. ومن الغريب أن تمتد هذه السمة إلى بلدان عربية أخرى لم تشهد مد ما يسمى بالـ"الربيع العربي"، فها هو "الشيخ الأسير" يواصل اعتصامه في صيدا بلبنان منذ ما يزيد عن الشهر بحيث اختار مكاناً لهذا الاعتصام يمثل منفذاً حيوياً ومهماً جداً للوافدين من الجنوب وإليه بدعوى أنه يناضل ضد "السلاح غير الشرعي"، وقد تضررت جميع فاعليات صيدا من هذا العمل فيما تعجز الدولة اللبنانية عن إيجاد حل له متذرعة بعدم وجود غطاء شعبي وسياسي يوفر لها شرعية لوضع حد لهذا الاعتصام العبثي الضار بمصالح الصيداويين، مما دفعهم إلى حركة سياسية دؤوبة من أجل إقناعه بفك اعتصامه. لم يكن ما آلت إليه حركة الجماهير العربية إذن في هذه الآونة معبراً عن تحقيق الأمل في تجاوز السلبية والإحباط في هذه الحركة، وتكاد الأسباب تكون معروفة، وإن احتاجت تدقيقاً يحقق لمواجهة هذا العبث متطلبات نجاحه حتى لا تتحول حركة الجماهير إلى أعمال مضادة للثورة بدلاً من أن تكون داعمة لها.