لاحظ عدد من المراقبين اللبنانيين الورطة التي دفعت دمشق إلى التراجع عن "لبننة" الانتخابات الرئاسية اللبنانية في نهاية العام. ومفاد الورطة هذه أن الحكم السوري ما أن يفتح الباب حتى تدخل شياطين يصعب ضبطها والسيطرة عليها. أي، بلغة أكثر سياسية. ما أن يتاح للبنانيين أن "يلبننوا" انتخاباتهم حقاً، حتى يظهر من النتائج ما لا ترتاح إليه دمشق بتاتاً. وقد تعني "اللبننة" في تأويلها السوري على الأقل، إطلاق حركة معادية لدمشق ومنحها صدارة الحياة السياسية اللبنانية، كما قد تعني انطلاق عملية لا تزال حبيسة، ينجم عنها تغلّب "الحصة" الأميركية على "الحصة" السورية في لبنان.
وغني عن القول إن دمشق، لا سيما في شعورها الراهن بالاستفراد الأميركي، لا تملك مثل هذا الترف. فهي، بحسب القاعدة التي وضعها الرئيس الراحل حافظ الأسد ولا يزال معمولاً بها، تزداد تشدداً كلما أحست بضيق الخناق على عنقها. وليس أكثر ملاءمة من البلد "الشقيق" الأصغر، كائنة ما كانت الحال، لممارسة التشدد. وإنما الآن هو وقت التشدد في ظل المخاوف من أرييل شارون في إسرائيل، ومن الوجود الأميركي في العراق، في ظل علاقات سيئة مع الأردن تدل إليها المسائل الحدودية "المتداخلة"، وعلاقات قابلة للتدهور مع مصر بسبب دورها في غزة.
هذه التصورات التي تفسر العمل بفكرة التمديد للرئيس اللبناني "إميل لحود"، تضيء على مسائل بالغة الأهمية في لبنان كما في سوريا. فمن الواضح أن الذين راهنوا على اتجاه الحكم السوري نحو الإصلاح والانفتاح، يكتشفون حدود الخديعة التي انطلت عليهم. ذاك أن "البعث" يمكن أن يكرر السيرة نفسها "ربيع دمشق" مثنى وثلاث ورباع من غير أن يرف له جفن. فما كاد "أكثم نعيسة" يخرج من السجن حتى ذاعت أخبار "عارف دليلة" من أنه مهدد بالموت في سجنه. ولما كان نزاع الشرق الأوسط هو المصدر الأول للفعل والفعالية السياسيين، جاز الشك بالقدرة على إطلاق دينامية داخلية تتحرر من الابتزاز "القومي" وتقود بدورها إلى عملية تغيير. فهذه الأخيرة سوف تبقى أسيرة أزمة المنطقة و"معركة المصير" إلى أن يقضي الله أمراً.
وهذا ليس بالقول الجديد في الأنظمة العسكرية والديكتاتورية. الجديد هو انكشاف الطبيعة الحقيقية لما أطلق عليه النظام السوري تعبيري "العلاقات الأخوية" و"عروبة لبنان"، قاصداً بهما التلاحم الكامل بين بيروت ودمشق. مع ذلك، يتبدى أنه ما أن تتاح الفرصة للبنانيين حتى يسلكوا من المسالك ما لا يحمل للنظام السوري إلا القلق والارتياب. فإذا بـ"الأخوة" غلالة لفظية للعداء، وإذا بـ"العروبة"، أقله بمعناها "البعثي" السوري، تشوبها هشاشة استثنائية.
ومبعث وضع كهذا سوري بقدر ما هو لبناني. فسوريا لم تستطع أن تبني مواقع عميقة لها في المجتمع کالشقيق، بما يتعدى لفظية "الأخوة" الشهيرة. وحتى الطوائف والقوى التي تبدو، في هذه الفترة أو تلك، حليفة لها، لا يدفعها إلى ذلك إلا تقوية موقعها، على نحو عابر، في مواجهة طوائف وقوى أخرى. أما "التحالف الاستراتيجي" الذي يكثر التشدق به فيقتصر على أحزاب صغرى وزعامات ثانوية ما أن يتوقف الدعم الدمشقي لها حتى تكف عن الوجود أو تكاد. وبالطبع، يبقى موضوع "حزب الله" أمراً أعقد. لكن إذا صح أن التحالف معه يمر بقناة "المقاومة"، فهناك اليوم إقرار دولي واسع بانتهاء الاحتلال الإسرائيلي، ومن ثم انتفاء الحاجة إلى "المقاومة" التي سبق أن مثّلها "حزب الله". وحتى لو سلمنا جدلاً بـ"المقاومة" و"ضرورة" استمرارها، فلا ينعكس ذلك آلياً على الحياة السياسية الداخلية للبنان. ثم إننا لو سلمنا بقدرة "حزب الله" على تجيير كامل شعبيته للخيار السوري داخلياً، فهذا يبقى قاصراً جداً عن بناء مرتكزات عميقة لدمشق في المجتمع اللبناني، ومن ثم للرئيس الذي اختارت دمشق التمديد له، في سائر الطوائف والمناطق اللبنانية.
والحال أن العجز عن بناء روابط عميقة بين البلدين، بما يتعدى السطح الأمني وخطابيات الأخوة، لا يعود فقط إلى ذهنية النظام العسكري الدمشقي وسلوكه. فهناك حقائق موضوعية تحد من الرغبة في تطوير العلاقات، ولا يتغلب عليها الإنشاء الكثير المتخم بتعابير وحدة اللغة والجوار والتاريخ والمصير وغير ذلك. فبعد41 سنة بعثية، لم يعد في وسع سوريا أن تقدم للبنانيين أية جاذبية ثقافية أو فكرية، فيما تحولت بيروت وصحفها وصالاتها منبراً للكتاب والمبدعين السوريين. أما اقتصادياً، فلا يمثل الاقتصاد السوري لهم أي إغراء، فيما العمالة السورية المهاجرة إلى لبنان، والتي تفيد اقتصادي البلدين، فلا تنظر أكثرية اللبنانيين إليها على أنها مصدر نفع صافٍ. فهي لئن كانت تلبي حركة إعمار متدنّي الكلفة، غير أنها تترافق مع حدود سائبة بين البلدين في ظل اختلال كامل بينهما في موازين القوى، فضلاً عن تدفق أنواع من السلع الزراعية الرخيصة التي تؤذي اقتصادات الكثير من المناطق الزراعية في لبنان. وأهم مما عداه أن هذه العلاقة بسوريا العسكرية وذات الاقتصاد الموجه تبدو لغالبية اللبنانيين عائقاً دون تطوير