الشعلان: من مخابرات صدام إلى معركة النجف


انتهت أزمة النجف في العراق بصورة دامية وفاجعة. لكن ما أن سكتت أصوات المدافع حتى باتت نذر معارك أخرى ضد مدينة الفلوجة، وهي هدف أمني للقوات الأميركية في العراق، تلوح في الأفق. وفي سياق التطورات الدامية بين حملة حسمت في الفرات الأوسط (الشيعي) ومعركة أخرى متوقعة في "المثلث السني"، برز حازم الشعلان وزير الدفاع العراقي عبر تصريحات مثيرة وبوصفه الشخص الأقوى تأُثيراً في سير الأحداث وفي طرائق معالجتها. فبعد أيام قليلة من تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة، هاجم الشعلان في تصريح له إيران متهما إياها بتسليح وتمويل أطراف هدفها زعزعة أمن العراق والحيلولة دون استقراره، وأدت اتهاماته إلى نشوب أزمة مع طهران التي ردت بغضب معتبرة أن الشعلان وزير دفاع "هاوٍ" و"غير محترف" و"يفتقر إلى الخبرة".


لكن الشعلان الذي بدأ بإعادة بناء الجيش العراقي، أظهر تصلباً يشير إلى خبرة في التعاطي مع قضايا الأمن ضمن مجال سلطته، وإن مثل له مقتدى الصدر وميليشياته المسلحة (جيش المهدي)، كسلطة أخرى داخل الدولة، تحدياً كبيراً منذ البداية، فقد استطاع أخيراً إنهاء واحد من مظاهر الوجود المسلح الطاغي في العراق. فبقرار أصدره في مطلع شهر أغسطس المنصرم، بدأت القوات الأميركية وقوات الحرس الوطني والشرطة العراقية حملة مشتركة للقضاء على "جيش المهدي" واستئصاله من النجف، وعلى مدى ثلاثة أسابيع قامت المدفعية والطيران الأميركيان بقصف مواقع الصدريين داخل المدينة القديمة، بينما دارت المعارك على الأرض بين قوات الحرس الوطني وعناصر "جيش المهدي". وفي عاشر أيام القتال المندلع في النجف (15 أغسطس) وصل إليها الشعلان ليتابع بنفسه سير المعارك؛ فأشرف على الخطط العسكرية وتابع تنفيذها يومياً، وتولى التنسيق مع القوات الأميركية، وعقد لقاءات متواصلة مع المسؤولين المحليين، واتصل بشيوخ القبائل والوجهاء المحليين لحثهم على التعاون مع الحملة ضد أنصار الصدر. لكن قبل أن تحقق الحملة "أهدافها"، أدت بالنجفيين ضراوة القتال إلى الفرار من مدينتهم، كما أحدثت قتلا ودماراً مادياً واسعين.


وبالإشارة إلى الخسائر التي خلفها القتال، وجهت أطراف عراقية الاتهام صراحة إلى حازم الشعلان بكونه "تصرف بقسوة وعنف زائدين"، ولم يعط فرصة لـ"حل سلمي يحقن الدماء"، بل "قطع الطريق على كل المحاولات" التي بذلت لإيجاد مخرج من الأزمة، بما في ذلك مبادرة حسين الصدر التي رد عليها مقتدى بإيجابية يوم 18 أغسطس فأعلن قبوله مطالب الحكومة الثلاثة؛ وهي سحب جيش المهدي من مرقد الإمام علي، ونزع أسلحته، وتحوله إلى حزب سياسي. لكن الشعلان، وفقاً لنفس الاتهامات، أجهض مبادرة الحل وأعلن في نفس اليوم أنه "لا حوار ولا تفاوض" بل على أنصار الصدر "أن يسلموا أنفسهم وأسلحتهم خلال الساعات القليلة المقبلة" وإلا "سنلقنهم درساً لن ينسوه". كما يُعتقد أن الشعلان بالغ في اتهامات الصدريين، فقال إن قواته عثرت على نحو 200 جثة لأشخاص أعدمتهم "المحكمة الشرعية" التابعة للصدر، في حين يرجح أن الجثث تعود لأشخاص قتلوا نتيجة القصف على مواقع كان يتحصن بها عناصر "جيش المهدي". وحمل الشعلان أيضاً ميليشيا الصدر مسؤولية الأضرار التي أصابت المرقد العلوي وقال إنهم كانوا يطلقون النار على المكان، بينما الحقيقة أن المرقد تعرض لقصف عنيف هد بعض حيطانه.


 وفي أول حديث صحفي للشعلان بعد عودته من النجف إلى بغداد، كشف عن خطة كان ينوي تنفيذها، وقال إنه في الليلة الأخيرة التي سبقت مبادرة السيستاني "كنا سننفذ خطة باقتحام الصحن الحيدري من أربعة أبواب وذلك بعد أن أطبقنا الحصار على ميليشيا الصدر في داخله... ووضعنا الخطة للسيطرة على الصحن وتطهيره من المسلحين، على أن يتم إنجاز هذه الخطة في زمن يستغرق من ساعتين إلى ثلاث ساعات... ولو لم يوافق مقتدى الصدر على المبادرة لقمنا بمهمتنا في الاقتحام حتى وإن كان ذلك سيسبب بعض الأضرار بالضريح". ولهذا السبب انتقد مكتب السيستاني مواقف الشعلان، ومعه وزير الداخلية فلاح النقيب، وقال إنهما اتبعا سياسة متشددة في التعاطي مع أزمة النجف، بل "إن تصريحات الشعلان باقتحام الصحن الحيدري الشريف تركت وجعاً كبيراً في النفس" كما قال السيستاني. إلا أن الشعلان يتمتع بمركز قوي في توازنات السلطة العراقية الحالية، فهو محسوب على دوائر أميركية نافذة منها "البنتاغون" الذي اختاره في يونيو الماضي ليشغل حقيبة الدفاع دون موافقة علاوي. ولتثمين الأهمية التي يتمتع بها الشعلان من وجهة نظر أميركية، يشار إلى أنه عضو سابق في حزب "البعث"، كما كان كادراً في استخبارات النظام السابق قبل فراره من العراق عام 1991، وفي ذلك العام تلقفته المخابرات البريطانية والأميركية باهتمام كبير، وتقرب إلى حركة "الوفاق الوطني" برئاسة علاوي، وحصل على الجنسية البريطانية، وربطته علاقات قوية بعبد المجيد الخوئي الذي يصر الشعلان شخصياً