قبل ثلاثين عاماً بالتمام والكمال من الآن، كنت أجلس على مقاعد الدراسة لمرحلة البكالوريوس في العلوم السياسية في جامعة الكويت. ومع بداية فصل الخريف أو الفصل الأول كما كنا نسميه كطلبة آنذاك، كنت مسجلاً لأربعة مساقات دراسية كان أحدها يتعامل بشكل كامل مع سياسات حكومة الولايات المتحدة الأميركية. وفي تلك الفترة بالتحديد كانت قضية "ووترجيت" في أوج تفاعلها. فقد كان الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون يواجه خطر العزل من الرئاسة لسوء استخدام السلطة، الأمر الذي أدى به إلى الاستقالة من منصبه كحلٍ حاسم للقضية وكوقاية له من موضوع العزل.
لقد كانت لحظة الاستقالة الحاسمة كما أخبرنا بها أستاذ المادة هي الساعة الحادية عشرة وخمس وثلاثون دقيقة صباحاً من يوم 9 أغسطس 1974، وذلك عندما تلقى وزير الخارجية آنذاك هنري كيسنجر رسالة مهذبة بذلك المعنى وقام بوضع توقيعه المبدئي عليها. في تلك اللحظة بدت الجماهير الأميركية بشكل جماعي وكأنها قد تلقت نبأ أسعدها وأزال كابوساً مزعجاً عن صدورها. وإثر ذلك قام نائب الرئيس آنذاك جيرالد فورد بأداء القسم القانوني كرئيس جديد للولايات المتحدة وأدلى بتصريح حول استقالة سلفه واصفاً إياها بأنها أحد قرارات سلفه الشخصية الراقية. والواقع هو أن قدرة صحفي مغمور على كشف خبايا" ووترجيت" كنقطة بداية أدت إلى استقالة رئيس الجمهورية في نهاية المطاف، يعد أمراً في غاية الأهمية لتاريخ الصحافة الأميركية ومسيرتها في كشف الحقيقة للمواطن الأميركي.
والآن ونحن نستعيد تلك الذكريات على مشارف انتخابات رئاسية أميركية جديدة، لابد لنا أن نشير إلى أن السلبيات العالقة بـ"ووترجيت" لا زالت أصداؤها تدور في الأجواء السياسية الأميركية رغم انقضاء تلك السنوات الطويلة منذ حدوثها. ويأتي سؤال مهم لكي يطرح نفسه وهو: هل استقال ريتشارد نيكسون وهو يتوقع، أو بالأحرى يعلم أن خلفه، أي الرئيس فورد، سيمنحه عفواً كان سيحميه من اتخاذ أي إجراء قانوني يجرمه مدنياً بعد أن يواجه عزلاً سياسياً كان سيحدث لو أنه لم يستقل. وبالعودة إلى المعلومات الخاصة بتلك الفترة نجد أن الرئيس فورد كان قد اعترف بأنه قبل أسبوع من استقالة الرئيس نيكسون، كان كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك ألكسندر هيج، الذي أصبح وزيراً للدفاع في عهد الرئيس رونالد ريغان، يروج بقوة لفكرة حل المشكلة عن طريق استقالة الرئيس يتبعها صدور عفو شامل عنه من قبل الرئيس الجديد. وفي هذا السياق كان هيج قد تقدم بمذكرة قانونية مفصلة يشرح فيها السلطات اللامحدودة تقريباً بالنسبة لقدرة رئيس الجمهورية الأميركي على منح العفو.
وبعد شهور قليلة لاحقاً، وأمام لجنة برلمانية كانت تحقق في أمر العفو الذي منح للرئيس السابق، ذكر الرئيس فورد أنه التقى فعلاً بألكسندر هيج وتحدث معه حول قضايا عدة من بينها مسألة العفو تلك. ولكنه أكد أيضاً وبقوة أنه لم يعقد معه أي صفقة بهذا الشأن. وهنا يستطيع المرء القول إن لكلا الرئيسين السابقين نظرته الخاصة حول موضوع العفو. فبالنسبة لفورد يرى أنه فعل ما فعل دون أن يعقد صفقات مع أي طرف. أما بالنسبة لنيكسون فإن الأمر يختلف عن ذلك تماماً. فهو لم يستقل من منصب الرئاسة إلا بعد أن تأكد تماماً أن صفقة سياسية عقدت لحمايته من المقاضاة المدنية بسبب سوء استخدام السلطة.
لقد قضى الرئيس نيكسون العشرين سنة التي تبقت من عمره والتي امتدت منذ استقالته عام 1974 حتى وفاته عام 1994 وهو مكرس حياته للسفر عبر أنحاء الولايات المتحدة وهو يلقي الخطب ويؤلف الكتب السياسية ويحضر المناسبات التي يدعى إليها في شيء شبيه تماماً لما يتم القيام به في الحملات الانتخابية الرئاسية. ولكن جهوده كانت تنصب على الدعاية لرئيس سابق وليس لآخر قادم. وعليه يمكن القول إن كل ما قام به بعد خروجه من السلطة لم يغير شيئاً من أن فترة رئاسته يتم تذكرها وهي مرتبطة بممارسات سلبية. فقضية ووترجيت تتلخص أساساً في أن صحفياً في "الواشنطن بوست" كشف أن مقر الحملة الانتخابية للحزب الديمقراطي يتعرض لتسجيلات أشرطة ولمراقبة خفية ولتنصت على المكالمات الهاتفية ولاختراقات.
إن قضية ووترجيت تعد منعطفاً حاسماً بالنسبة لسمعة الرئاسة الأميركية في أوساط الجماهير الشعبية، فهي التي أدخلت مصطلح الفضائح السياسية المعاصرGate إلى قاموس السياسة الأميركية، فقد أتت بعدها مسميات عدة في هذا السياق أهمها كوريا- جيت، وإيران-كونترا، ومونيكا -جيت، وقد يكون القادم في هذا السياق كثيراً أيضاً مستقبلاً. ويبقى أن نذكر في نهاية المطاف أنه منذ أن كشف النقاب عن ووترجيت ومؤسسة الرئاسة لم تعد من حيث الثقة التامة بها في الأوساط الشعبية الأميركية كما كان الأمر في عهود الرؤساء الأميركيين السابقين جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وجون كينيدي.